في ظل هذا المشهد الإقليمي المتشابك (إيران–أمريكا–إسرائيل–الخليج–حزب الله)، ومع احتمالات انفجار يتجاوز غزة، فإن السؤال ليس فقط: ماذا سيحدث؟ بل: كيف نمنع أن نكون نحن الحلقة الأضعف في كل سيناريو؟
أولاً: ماذا نصنع على المستوى الوطني الفلسطيني؟
إعادة تعريف الأولوية: البقاء المجتمعي قبل كل شيء
في علم إدارة الأزمات، حين يتوسع نطاق الصراع إقليميًا، تتحول الساحات الصغيرة إلى "ساحات تصفية حسابات".
غزة في هذا السياق ليست لاعبًا رئيسيًا في قرار الحرب الإقليمية، لكنها قد تدفع أثمانها.
لذلك الأولوية القصوى:
- حماية الجبهة الداخلية من الانهيار الاجتماعي.
- منع الفوضى.
- منع الانقسام الداخلي.
- منع الخطاب التحريضي.
- منع انهيار الثقة المجتمعية.
الانهيار الداخلي أخطر بكثير من الصواريخ
الوحدة السياسية: ضرورة أمنية لا شعار أخلاقي
التاريخ القريب يُظهر أن الانقسام يُستثمر دوليًا.
انظر إلى ما حدث في:
- العراق بعد 2003
- سوريا بعد 2011
- لبنان في أزماته المتكررة
كل ساحة منقسمة تحولت إلى مسرح صراع بالوكالة.
إذا دخلت المنطقة حربًا سنّية–شيعية الطابع السياسي، وغزة منقسمة داخليًا، فإن خطر التوظيف الخارجي يتضاعف.
الوحدة هنا ليست ترفًا سياسيًا.. بل صمام أمان وجودي.
تحييد غزة قدر الإمكان عن الحسابات الإقليمية
في إدارة الأزمات هناك مبدأ:
لا تدخل معركة لا تملك قرار إنهائها
إذا تحولت الحرب إلى إقليمية مفتوحة، فالدخول العاطفي غير المحسوب قد يحول غزة إلى جبهة استنزاف دائمة.
النصيحة الاستراتيجية:
- تجنب الانجرار غير المحسوب.
- ضبط إيقاع الردود وفق مصلحة فلسطينية خالصة لا وفق أجندات خارجية.
- الحفاظ على استقلالية القرار.
ثانيًا: ماذا نصنع كمجتمع؟
بناء مناعة نفسية جماعية
الخطر الأكبر الآن هو:
- القلق الوجودي
- الإنهاك المزمن
- فقدان الأفق
في الحروب الطويلة، المجتمعات لا تنهار بسبب القصف فقط، بل بسبب الاستنزاف النفسي.
ما نحتاجه:
- خطاب عقلاني لا تعبوي.
- تقليل الشائعات.
- تدريب الناس على خطط الطوارئ بدل تخويفهم.
- تعزيز شبكات الدعم المجتمعي.
المجتمع المنظم أقل عرضة للذعر.
إدارة الموارد بندرة ذكية
إذا اتسعت الحرب إقليميًا، فإن سلاسل الإمداد ستتأثر.
هنا تظهر أهمية:
- منع الاحتكار.
- تنظيم الاستهلاك.
- تخزين عقلاني لا هلعي.
- شبكات تكافل.
الأزمة الاقتصادية قد تكون أشد من العسكرية
ثالثًا: ماذا نصنع على مستوى القيادة؟
قراءة المشهد ببرود
إذا نظرنا إلى تجارب تاريخية كبرى مثل:
- الحرب العالمية الأولى
- الحرب العالمية الثانية
سنجد أن الحروب الكبرى لم تبدأ بقرار شامل، بل بسلسلة تصعيدات متراكمة فقدت السيطرة.
القيادة الحكيمة هي التي:
- لا تستدرجها الاستفزازات.
- لا تبالغ في تقدير قدرتها.
- لا تراهن على انهيار سريع للخصم.
رابعًا: السيناريو الأخطر لغزة
السيناريو الأخطر ليس القصف.
السيناريو الأخطر هو:
- حرب إقليمية طويلة.
- إنهاك إسرائيل شمالًا وجنوبًا.
- سعيها لإنهاء ملف غزة جذريًا تحت غطاء إقليمي واسع.
- قبول دولي ضمني بسبب انشغال العالم بالطاقة وأمن الخليج.
هذا يتطلب يقظة شديدة.
أولوياتنا:
- حماية المجتمع لا تسجيل النقاط.
- تحصين الجبهة الداخلية سياسيًا.
- تقليل الانجرار لمحاور إقليمية.
- رفع الجاهزية الإنسانية لا الخطابية.
- استثمار اللحظة لبناء شرعية داخلية عبر التوافق لا الصدام.
الخلاصة
في علم إدارة الأزمات هناك قاعدة ذهبية:
عندما تتصارع القوى الكبرى، تنجو الأطراف الصغيرة إذا أحسنت التموضع لا إذا بالغت في التصادم
غزة اليوم ليست في موقع اختيار الحرب الإقليمية،
لكنها تستطيع اختيار:
- كيف تتماسك داخليًا.
- كيف تدير مواردها.
- كيف تحمي مجتمعها.
- وكيف تمنع أن تتحول إلى ورقة في صراع أكبر منها.
الانفراج لا يأتي من الخارج فقط.
أحيانًا الانفراج الحقيقي هو أن نخرج من العاصفة بأقل خسائر ممكنة..
لا أن نثبت أننا كنا الأعلى صوتًا فيها.
ضمن سلسلة: إدارة الأزمات في السياق الفلسطيني










