4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

نصر قد يتحول إلى هزيمة… إسرائيل بين حرب إيران وتصدّع الحليف الأمريكي

تضع المواجهة الدائرة مع إيران إسرائيل أمام لحظة تاريخية شديدة الحساسية، ربما تكون الأكثر تعقيدًا منذ تأسيسها.

بقلم: سماح عثمان
٥ مارس ٢٠٢٦
6 دقائق قراءة
16 مشاهدة
حرب إيران

حرب إيران

تضع المواجهة الدائرة مع إيران إسرائيل أمام لحظة تاريخية شديدة الحساسية، ربما تكون الأكثر تعقيدًا منذ تأسيسها. فالمشهد الحالي لا يمكن فهمه دون التوقف عند مسارين متوازيين يسيران في الوقت نفسه، لكنهما يحملان اتجاهين متناقضين في الجوهر. هذان المساران، اللذان يتشكلان بوضوح أمام أعين صناع القرار، قد يعيدان رسم الموقع الاستراتيجي لإسرائيل في العالم لسنوات طويلة مقبلة، وربما بطريقة لا تصب في مصلحتها.

وقال إيلي لئون في مقال بصحيفة معاريف، المفارقة أن التقدم العسكري الذي تحققه إسرائيل في الشرق يتزامن مع تراجع في عمق الدعم السياسي داخل الغرب، وتحديدًا في الولايات المتحدة. وبينما يبدو أن المواجهة مع إيران تقترب من تحقيق مكاسب كبيرة، تتشكل في الخلفية أزمة أعمق تتعلق بمستقبل العلاقة مع الحليف الأمريكي، وهو ما يطرح احتمالاً غير مريح: انتصار عسكري قد يتحول في النهاية إلى هزيمة استراتيجية.

إنجازات الشرق

في المسار الأول، يبرز ما يصفه كثيرون داخل إسرائيل بـ"حلم الشرق الأوسط الجديد". فالتطورات الميدانية تشير، بحسب ما تذكره صحيفة معاريف، إلى تحقيق إنجازات عسكرية واستخبارية لافتة في المواجهة غير المباشرة مع إيران.

تشمل هذه الإنجازات ضربات دقيقة استهدفت منشآت مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، إلى جانب إضعاف البنية التحتية التابعة لـالحرس الثوري الإيراني، فضلاً عن عمليات استهدفت قيادات بارزة داخل المنظومة الأمنية الإيرانية. ولم تعد هذه العمليات تُصنَّف ضمن المناوشات التكتيكية المحدودة، بل باتت تُقدَّم داخل الخطاب الإسرائيلي باعتبارها ضربات تمسّ جوهر النظام في طهران.

هذا التطور ينعكس، وفق تقديرات دوائر الاستخبارات، على صورة النظام الإيراني الذي كان يُنظر إليه لسنوات طويلة باعتباره نظامًا محصنًا يصعب زعزعته. أما الآن، فهناك حديث متزايد داخل مراكز التقدير الاستراتيجي عن أن هذه الضربات قد تكون قادرة على تقويض الأسس التي يقوم عليها حكم رجال الدين في إيران.

سيناريو التغيير

الضعف الذي بدأت ملامحه تظهر في الداخل الإيراني أعاد إلى الواجهة سيناريو طالما بدا بعيد المنال: تغيير النظام في طهران. وتشير بعض التقديرات، بحسب تقارير صحفية إسرائيلية، إلى أن الشارع الإيراني يشهد حالة من اليقظة والاحتقان المتزايد.

في هذا السياق، لم تعد فرضية انهيار الجمهورية الإسلامية مجرد حلم يتداوله المعارضون الإيرانيون في الخارج، بل أصبحت – وفقًا لبعض التحليلات الاستخبارية – احتمالًا يُناقش بجدية داخل غرف التقدير الاستراتيجي. ويذهب أصحاب هذا الطرح إلى أن سقوط النظام الديني وظهور قيادة جديدة أكثر براغماتية قد يؤديان إلى تغيير جذري في موازين القوى داخل الشرق الأوسط.

بالنسبة لإسرائيل، يمثل هذا السيناريو فرصة تاريخية نادرة؛ إذ إن إطاحة النظام الإيراني، الذي تعتبره تل أبيب مصدر التهديد الأكبر لها، قد يزيل أحد أخطر التحديات الأمنية التي تواجهها. لذلك يرى بعض المحللين أن اللحظة الحالية قد تسمح بتحويل القوة العسكرية إلى إنجاز سياسي واستراتيجي غير مسبوق في تاريخ الصراع الإقليمي.

تآكل الدعم الأمريكي

لكن في المقابل، يتشكل مسار آخر أكثر إزعاجًا بالنسبة لإسرائيل، ويتمثل في التحولات الجارية داخل الولايات المتحدة، الحليف الاستراتيجي الأول لتل أبيب سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا.

تشير أصوات متزايدة داخل التيار السياسي الأمريكي إلى تنامي مشاعر الشك والتذمر من السياسات الإسرائيلية، وهي ظاهرة لم تعد مقتصرة على التيار التقدمي داخل الحزب الديمقراطي، الذي انتقد إسرائيل منذ سنوات. الجديد، وفق ما يذكره الكاتب، هو أن بعض التيارات المؤثرة داخل الحزب الجمهوري بدأت بدورها تتبنى خطابًا أكثر تشككًا تجاه العلاقة مع إسرائيل.

هذا التحول يرتبط بصعود النزعة الانعزالية داخل السياسة الأمريكية، خاصة تلك المرتبطة بشعار "أمريكا أولًا". ومن بين أبرز الأصوات التي تدفع في هذا الاتجاه الإعلامي المحافظ تاكر كارلسون، الذي أصبح أحد أبرز الوجوه المؤثرة في النقاش السياسي داخل اليمين الأمريكي.

ويروج كارلسون وآخرون لرواية تعتبر، من وجهة نظر الكاتب، مقلقة بالنسبة لإسرائيل، مفادها أن الصراعات في الشرق الأوسط ليست معارك أمريكية، وأن إسرائيل تسعى إلى جر الولايات المتحدة إلى صراعات إقليمية لا تخدم المصالح القومية الأمريكية.

عزلة محتملة

تنامي هذا الخطاب داخل الحزبين الأمريكيين يثير قلقًا متزايدًا لدى بعض الدوائر الإسرائيلية، إذ قد يؤدي في المدى البعيد إلى تآكل الدعم التقليدي الذي اعتمدت عليه إسرائيل لعقود داخل واشنطن.

فإذا تحولت هذه المواقف إلى توجه سياسي واسع داخل الرأي العام الأمريكي، فقد تجد إسرائيل نفسها في مواجهة عزلة دبلوماسية متزايدة، خصوصًا في المؤسسات الدولية مثل مجلس الأمن التابع لـالأمم المتحدة.

ولا يقتصر القلق على الجانب السياسي فقط، بل يمتد أيضًا إلى البعد العسكري، إذ تعتمد إسرائيل بدرجة كبيرة على الدعم العسكري الأمريكي وعلى قنوات توريد السلاح القادمة من واشنطن. أي خلل في هذه العلاقة قد ينعكس مباشرة على ميزان القوة في المنطقة.

معضلة النصر

هذا التداخل بين المسارين يقود إلى ما يصفه الكاتب بسيناريو بالغ الخطورة: انتصار يشبه الهزيمة. فمن المحتمل، وفق هذا التصور، أن تحقق إسرائيل تفوقًا واضحًا في المواجهة مع إيران، وربما حتى تشهد انهيار نظام رجال الدين في طهران.

سيكون ذلك، بلا شك، إنجازًا كبيرًا بالنسبة للقيادة الإسرائيلية، وربما لحظة تُقدم داخل الخطاب القومي باعتبارها لحظة تاريخية فاصلة. لكن السؤال الذي يطرحه الكاتب يتعلق بما قد يحدث بعد ذلك.

فإذا كان ثمن إسقاط النظام الإيراني هو تآكل التحالف مع الولايات المتحدة، وفقدان الغطاء الدبلوماسي في المؤسسات الدولية، وتراجع الدعم العسكري الأمريكي، فإن هذا الانتصار قد يتحول في المدى البعيد إلى عبء استراتيجي يهدد قدرة إسرائيل على الاستمرار في بيئة إقليمية شديدة التعقيد.

معركة الرأي العام

في هذا السياق، يرى الكاتب أن القيادة الإسرائيلية مطالبة بالنظر إلى ساحة أخرى لا تقل أهمية عن ميدان القتال: الرأي العام الأمريكي. فالمعركة الإعلامية والسياسية داخل الولايات المتحدة قد تكون، في نظره، حاسمة بقدر أهمية الطائرات الحربية والأسلحة المتطورة.

وتشير بعض الاستطلاعات الأولية، وفق ما يذكره المقال، إلى مؤشرات مقلقة تتعلق بتغير المزاج الشعبي في أمريكا تجاه إسرائيل. ويعتقد الكاتب أن هذا التحول قد يتضح بشكل أكبر في الانتخابات النصفية المقبلة في الولايات المتحدة، التي قد تكشف مدى عمق هذا التغيير في المواقف السياسية والشعبية.

وفي حال تأكدت هذه الاتجاهات، فإن إسرائيل قد تجد نفسها أمام معادلة صعبة: تفوق عسكري في الشرق، يقابله تراجع متزايد في الدعم السياسي داخل الغرب.سما

سماح عثمان

صحفية مصرية عملت بعدة مواقع وصحف وعضو نقابة الصحفيين المصريين

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال