قال سائد حسونة خبير الإعلام الرقمي وهندسة أنظمة التأثير، إن المشهد الأمني والعسكري في مضيق هرمز تحولًا واضحًا من نمط المواجهة التقليدية إلى ما يمكن وصفه بعصر "الشفافية الراديكالية" في المجال البحري، ففي السابق كان إغلاق أنظمة التعريف الآلي للسفن (AIS) يمنح بعض السفن قدرة نسبية على تقليل ظهورها في أنظمة الملاحة التجارية، لكن التطور في تكنولوجيا الرصد الفضائي والذكاء الاصطناعي غيّر هذه المعادلة بشكل كبير. اليوم تعتمد منظومات المراقبة الحديثة على تكامل تقني بين رادار الفتحة الاصطناعية (SAR) القادر على رصد الأجسام البحرية عبر السحب وفي الظلام، وبين خوارزميات الذكاء الاصطناعي التي تدمج الصور الفضائية وسجلات الحركة السابقة وأنماط الملاحة لتحقيق ما يمكن تسميته بـ"المطابقة الاحتمالية". هذا التكامل يسمح بتحديد السفن التي تحاول إخفاء هويتها حتى في حالة الصمت الرقمي الكامل.
السيادة الكهرومغناطيسية والضباب الإلكتروني
وأضاف حسونة في تصريحات خاصة لموقع “ 180 تحقيقات” أن هذه القدرة التقنية المتقدمة تحمل مفارقة مهمة، فمع تزايد الاعتماد على التحليل الخوارزمي في تفسير البيانات البحرية، قد يظهر ما يمكن وصفه بـ "اليقين التقني الزائف"؛ أي بناء تقديرات استراتيجية على تحليل قد يحتوي على هامش خطأ في بيئة أمنية شديدة الحساسية. وفي منطقة مثل مضيق هرمز، حيث تتقاطع حركة السفن التجارية مع الوجود العسكري المكثف، يمكن لخطأ تقني في تصنيف هدف بحري أن يؤدي إلى سوء تقدير سياسي أو عسكري.
وأكد انه على مستوى آخر، نشهد تصاعدًا في الصراع على السيادة على الطيف الكهرومغناطيسي، فالتشويش الإلكتروني (Jamming) والخداع الملاحي (Spoofing) ضد أنظمة الملاحة العالمية مثل GPS أصبحا عنصرين أساسيين في تشكيل البيئة العملياتية الحديثة. هذه التقنيات قادرة على خلق ما يمكن وصفه بـ "مناطق الضباب الإلكتروني"، حيث تفقد السفن والطائرات المسيّرة دقة تحديد مواقعها أو تتلقى بيانات مضللة عن مسارها الحقيقي. وقد سجلت تقارير ملاحية بالفعل حالات ظهرت فيها سفن على الخرائط الرقمية في مواقع مختلفة عن موقعها الفعلي نتيجة هذا النوع من التشويش.
معادلة الإزعاج والاستنزاف الرقمي
وأضاف أن تأثير هذه الأدوات لا يقتصر على الجانب التقني، بل يمتد إلى إعادة تشكيل ميزان القوة نفسه. فالدولة أو الجهة التي تمتلك القدرة على إرباك منظومات الملاحة والاتصال لدى خصمها تستطيع رفع تكلفة العمليات عليه وإبطاء استجابته، حتى لو كان الخصم يمتلك منظومات تسليح أكثر تقدمًا. بمعنى آخر، أصبحت الحرب الإلكترونية وسيلة فعالة لتعويض جزء من الفجوة في القدرات العسكرية التقليدية.
وتابع: في هذا السياق، تظل حادثة الطائرة الأمريكية غير المأهولة RQ-170 التي سقطت في إيران عام 2011 نقطة تحول بارزة في أدبيات الحرب الإلكترونية. ورغم استمرار الجدل التقني حول التفاصيل الدقيقة لما حدث، فإن الواقعة كشفت عن دخول الصراع التكنولوجي مرحلة تعتمد على ما يمكن وصفه بـ "الخداع الإحداثي"، أي التلاعب ببيانات الملاحة لإرباك الأنظمة المعتمدة عليها. الأهمية الاستراتيجية لهذه الحادثة لا تكمن فقط في إسقاط الطائرة، بل في الرسالة التي حملتها: أن التكنولوجيا الأقل تكلفة يمكن توظيفها بذكاء لتحييد جزء من التفوق العسكري التقليدي الأعلى تكلفة.
اختراق العمق وتشتيت الرادارات
وقال في حديثه انه على مستوى معادلات الردع الإقليمية، فمن المهم قراءة المشهد بعيدًا عن المقارنات المباشرة في القوة العسكرية الشاملة. فإيران لا تتفوق بالمعنى التقليدي على القوى العسكرية الكبرى أو على إسرائيل من حيث التكنولوجيا العسكرية أو القوة الجوية، لكنها طورت خلال العقدين الماضيين ما يمكن وصفه بـ "معادلة الإزعاج الاستراتيجي". تقوم هذه المعادلة على مزيج من الحرب الإلكترونية، والقدرات الصاروخية، والطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة، واستراتيجية تعدد المحاور. الفكرة الأساسية ليست تحقيق تفوق عسكري مباشر، بل رفع تكلفة المواجهة على الخصم وتعقيد حساباته الاستراتيجية.
وأكد أنه ضمن هذا الإطار، تعتمد هذه الاستراتيجية على ما يسميه الخبراء "الإغراق العملياتي"، أي استخدام أعداد كبيرة من الوسائل منخفضة التكلفة نسبيًا لإجهاد منظومات الدفاع المتقدمة لدى الطرف الآخر. عندما تتعرض أنظمة الدفاع الجوي لضغط مستمر من أهداف متعددة في وقت واحد، يصبح التحدي ليس فقط في إسقاط هذه الأهداف بل في إدارة القدرة الاستيعابية للنظام الدفاعي نفسه، كما أن انتشار الصواريخ بعيدة المدى والطائرات المسيّرة خلال العقد الأخير غيّر معادلة الردع في الشرق الأوسط أكثر من أي منظومة عسكرية أخرى. فهذه الوسائل تجمع بين انخفاض الكلفة النسبية وسهولة الإنتاج والقدرة على الوصول لمسافات بعيدة مقارنة بالمنظومات التقليدية الثقيلة. ومع تطور تقنيات التوجيه والاستشعار أصبحت بعض هذه الأنظمة أكثر دقة مما كانت عليه في الماضي، وهو ما منحها قيمة استراتيجية أكبر.
وأشار أن لهذا السبب أصبحت الصواريخ والمسيّرات جزءًا أساسيًا من عقيدة الردع لدى عدة أطراف في المنطقة، لأنها توفر وسيلة للضغط الاستراتيجي دون الحاجة إلى التفوق الجوي الكامل أو خوض مواجهات تقليدية واسعة، وفي المقابل دفع هذا التحول دول المنطقة إلى الاستثمار بشكل متزايد في أنظمة الدفاع الجوي متعددة الطبقات، ما يعكس كيف أن الصراع التكنولوجي بين وسائل الهجوم منخفضة التكلفة والأنظمة الدفاعية عالية التعقيد أصبح أحد أبرز ملامح التوازن العسكري في الشرق الأوسط اليوم.
واختتم حديثه أن ما نشهده في الخليج ليس مجرد توتر عسكري تقليدي، بل انتقال واضح للصراع إلى فضاء أكثر تعقيدًا يجمع بين الأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي والحرب الإلكترونية والطائرات المسيّرة، هذه الأدوات تمنح الدول قدرة أكبر على كشف الأنشطة الخفية وتقليل عنصر المفاجأة، لكنها في الوقت نفسه تجعل البيئة الأمنية أكثر حساسية، حيث يمكن لخطأ تقني صغير أو قراءة خاطئة للبيانات أن يتحول بسرعة إلى أزمة كبيرة في أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.
وقال إن مفهوم 'التفوق' في الصراع الإيراني-الأمريكي لا يُقاس بميزان القوى التقليدي، بل بقدرة طهران على فرض 'سيادة استراتيجية بديلة'؛ حيث استطاعت تحويل نقاط القوة الأمريكية (مثل التكنولوجيا فائقة التعقيد والاعتماد الكلي على الـ GPS) إلى نقاط ضعف عبر استراتيجية 'العمى الإلكتروني'، لقد تفوقت إيران حتى الآن في حرب 'الاستنزاف الرقمي'، فبينما تنفق واشنطن المليارات على صواريخ اعتراضية باهظة، تُحيدها طهران بمسيرات 'انتحارية' زهيدة الثمن تستهلك المخزون الدفاعي وتخلق ثغرات في الرصد.
وما عن الوصول لقلب تل أبيب، فإن السر يكمن في تقنية 'الإغراق بالمسارات المتعددة' والابتكار في الصواريخ الفرط صوتية (مثل فتاح-1) والمناورة المتطورة (مثل خيبر شكن) التي تعيد برمجة مسارها في المرحلة النهائية للهبوط، مما يجعل اعتراضها من قبل 'منظومة السهم' أو 'THAAD' تحدياً حقيقياً وليس مضموناً. هذا الوصول ليس مجرد قدرة نارية، بل هو 'اختراق للإدراك الأمني'؛ فإيران تعتمد على 'تشتيت الرادارات' عبر هجمات سيبرانية متزامنة تسبق الضربة الميدانية، مما يخلق حالة من 'الضباب الرقمي' داخل غرف العمليات الإسرائيلية، ويسمح للمقذوفات بعبور الطبقات الدفاعية والوصول إلى أهدافها الاستراتيجية في العمق.أ









