تتفاقم أزمة غاز الطهي في قطاع غزة بشكل دراماتيكي بعد مرور أسبوع كامل من التوقف التام لدخول أي كميات جديدة إلى الأسواق، مما أدى إلى حالة من الشلل المعيشي وتفاقم النقص الحاد في ظل احتياجات يومية هائلة للسكان الذين يعتمدون عليه كعصب أساسي في الطهي وتسيير شؤون حياتهم وتجارتهم.
وجاء هذا التدهور الخطير عقب إقدام سلطات الاحتلال على إغلاق المعابر المؤدية إلى القطاع لمدة ثلاثة أيام متواصلة، تزامناً مع بدء العدوان الإسرائيلي الأمريكي المشترك على إيران، ورغم السماح لاحقاً بدخول عدد محدود من شاحنات المساعدات والبضائع، إلا أن تلك الشحنات استثنت بشكل متعمد غاز الطهي، مما ترك القطاع يواجه مصيراً مجهولاً.
وتشير البيانات الميدانية إلى أن القطاع دخل في نفق مظلم من الاحتياج، حيث لم تعد الكميات المحدودة المتوفرة تكفي لسد رمق العائلات، مما يضع المجتمع المحلي أمام تحدٍ إنساني كبير يزيد من أعباء الحصار المفروض وتداعيات الحروب المتلاحقة التي لم تترك فرصة للتعافي الاقتصادي أو اللوجستي.
لغة الأرقام وفجوة الإمدادات
تظهر الإحصائيات الرسمية فجوة مرعبة بين الطلب الفعلي وبين ما يسمح الاحتلال بإدخاله من كميات، إذ يقدَّر الحد الأدنى لاحتياجات قطاع غزة من الغاز بنحو 8 آلاف طن شهرياً، أي ما يقارب 260 طناً يومياً، في حين لم تتجاوز الإمدادات قبل الإغلاق الأخير حاجز الـ 20% من إجمالي الاحتياج الفعلي في أفضل الأحوال.
وبحسب بيانات الهيئة العامة للبترول، فإن إجمالي ما دخل للقطاع منذ وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي وحتى منتصف فبراير الماضي لم يتجاوز 361 شاحنة، بإجمالي يقدر بنحو 7 آلاف طن، وهي كمية ضئيلة جداً تعادل احتياجات السكان لأقل من شهر واحد فقط.
وخلال الأيام الأربعة الماضية، ورغم دخول مئات الشاحنات (16 في اليوم الأول، 277 في الثاني، 165 في الثالث، و33 في الرابع)، إلا أن أياً منها لم تكن تحمل صهريجاً واحداً لغاز الطهي، مما يعكس سياسة تقييد ممنهجة تهدف إلى تشديد الخناق على الغزيين وحرمانهم من أبسط مقومات العيش الكريم في ظل صمت دولي مطبق.
الآثار التجارية والارتفاع الجنوني للأسعار
لم تتوقف تداعيات الأزمة عند حدود المنازل، بل امتدت لتضرب الأنشطة التجارية الحيوية في مقتل، لا سيما المطاعم ومحال الحلويات والمخابز التي تعتمد بشكل كلي على الغاز في دورتها الإنتاجية اليومية، حيث بدأ أصحاب هذه المنشآت بالتحذير من نفاد مخزونهم، مما قد يضطرهم لتقليص ساعات العمل أو الإغلاق التام، وهو ما يعني فقدان آلاف فرص العمل وتوقف عجلة الإنتاج المحلي.
وفي ظل هذا النقص، انتعشت السوق غير الرسمية (السوداء) بشكل مخيف، حيث قفز سعر الكيلوغرام الواحد من 40 شيكلاً إلى قرابة 75 شيكلاً، وهو ارتفاع هائل ينعكس مباشرة على أسعار السلع والخدمات ويزيد من معاناة المواطنين الذين يعيشون أصلاً تحت خط الفقر.
هذا الارتفاع الجنوني دفع الهيئة العامة للبترول إلى تعليق إصدار كشوفات التوزيع مؤقتاً لعدم توفر الكميات اللازمة، مما أدى إلى حالة من الارتباك في طوابير التوزيع وترك آلاف الأسر دون وسيلة لإعداد طعامها، مع اللجوء لوسائل بديلة وبدائية للطهي تزيد من مخاطر التلوث والأمراض.
سياسة التقييد والانتهاكات المعلنة
وفق معطيات المكتب الإعلامي الحكومي، فإن ما يمارسه الاحتلال يمثل انتهاكاً صارخاً لكافة التعهدات والاتفاقيات الدولية المتعلقة بتدفق المساعدات الإنسانية، حيث كان من المفترض إدخال نحو 87 ألفاً و600 شاحنة مساعدات إلى قطاع غزة منذ أكتوبر الماضي بمعدل 600 شاحنة يومياً، غير أن الواقع يشير إلى دخول 22 ألف شاحنة فقط بمعدل لا يتجاوز 150 شاحنة يومياً.
إن نسبة الالتزام الفعلية التي لا تتجاوز 25% تعكس سياسة "العقاب الجماعي" الممارسة ضد أكثر من مليوني فلسطيني، حيث يتم استخدام الغاز والوقود كأوراق ضغط سياسية وعسكرية في خضم الصراعات الإقليمية وإن استمرار هذا الوضع يعني حكماً بالإعدام على العديد من القطاعات الخدماتية، ويستدعي تحركاً دولياً عاجلاً للضغط على سلطات الاحتلال لفتح المعابر بشكل كامل وتوريد غاز الطهي دون قيود، لضمان الحد الأدنى من الأمن الغذائي والحيوي في قطاع يعاني الأمرين بين مطرقة الحصار وسندان العدوان الإقليمي المستعر.










