4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

أحمد أبو قمر لـ "180 تحقيقات": اقتصاد غزة يلفظ أنفاسه الأخيرة تحت وطأة البطالة

كشف الباحث الاقتصادي أحمد أبو قمر، في تصريحات خاصة لموقع "180 تحقيقات"، عن أرقام صادمة تعكس الواقع المأساوي الذي يعيشه سكان قطاع غزة

بقلم: خاص_ 180 تحقيقات
٨ مارس ٢٠٢٦
7 دقائق قراءة
16 مشاهدة
أحمد أبو قمر

أحمد أبو قمر

كشف الباحث الاقتصادي أحمد أبو قمر، في تصريحات خاصة لموقع "180 تحقيقات"، عن أرقام صادمة تعكس الواقع المأساوي الذي يعيشه سكان قطاع غزة في ظل الأزمات المتلاحقة، مؤكداً أن البطالة لم تعد مجرد ظاهرة اقتصادية بل تحولت إلى "آفة كل السموم" التي تفتت النسيج الاجتماعي وتدفع بالمواطنين نحو هاوية اليأس. 

وأوضح أبو قمر أن نسبة البطالة في القطاع وصلت إلى مستويات قياسية بلغت 80%، وهي نسبة تعني عملياً تعطل الغالبية العظمى من القوى العاملة عن الإنتاج، مما أدى بالتبعية إلى ارتفاع معدلات الفقر لتتجاوز حاجز الـ 90%، هذا التدهور الحاد انعكس بشكل مباشر على الحياة اليومية للمواطنين، حيث انعدمت الدخل تماماً لآلاف الأسر، مما تسبب في ضعف شديد في القدرة الشرائية جعل المواطن الغزي عاجزاً عن تدبر أبسط احتياجاته الأساسية من غذاء ودواء وكهرباء، وهو ما ينذر بكارثة إنسانية تتجاوز قدرة المؤسسات المحلية على الاحتواء.

ويرى أبو قمر أن هذا المشهد القاتم أدى إلى خلق "فجوة استهلاكية" هائلة، حيث صار السوق المحلي يعاني من ركود تضخمي ناتج عن عدم وجود سيولة نقدية بين أيدي المواطنين، حتى مع توفر بعض البضائع أحياناً، وإن الانهيار في مستويات الدخل لم يضرب الفئات الهشة فقط، بل طال الطبقة المتوسطة التي كانت تشكل صمام أمان للاقتصاد المحلي، مما حول المجتمع إلى كتلة واحدة من المحتاجين الذين ينتظرون طوابير المساعدات.

 ويشدد الباحث على أن استمرار هذا الوضع دون تدخل بنيوي سيؤدي إلى تلاشي أي أمل في الاستقرار المعيشي، خاصة وأن غياب الدخل الثابت يدفع الشباب نحو الهجرة أو السقوط في براثن المشاكل الاجتماعية الناتجة عن الفراغ والحاجة، مما يجعل البطالة المحرك الأول لكل الأزمات المركبة التي يعيشها قطاع غزة في الوقت الراهن.

شريان المساعدات والقيود المالية

وفيما يتعلق باعتماد اقتصاد غزة على المساعدات والتحويلات الخارجية، أشار أحمد أبو قمر لـ "180 تحقيقات" إلى أن 95% من الأسر الغزية باتت تعتمد بشكل كامل ومطلق على المساعدات لتلبية حاجياتها اليومية، وهو رقم يعكس مدى هشاشة الوضع الاقتصادي وتبعيته للخارج. 

وأوضح أن هذه المساعدات باتت هي "المحرك الوحيد" للبقاء على قيد الحياة، وبدونها ستتوقف الحياة تماماً داخل القطاع، مما يحول المجتمع من مجتمع منتج إلى مجتمع ريعي يعتمد على الإغاثة، أما بخصوص التحويلات المالية التي تصل من المغتربين في الخارج، فقد أكد الباحث أنها كانت تمثل صمام أمان ورافداً مالياً مهماً للسيولة، إلا أن الجانب الإسرائيلي فرض قيوداً صارمة ومعقدة على هذه الحوالات، شملت تجميد الحسابات البنكية وتوقيف التحويلات تحت ذريعة التدقيق الأمني، مما حرم آلاف الأسر من مساعدات ذويهم في الخارج وزاد من خنق الاقتصاد المحلي المحاصر أصلاً.

إن هذه السياسة الممنهجة في تقييد حركة الأموال تهدف، حسب رؤية أبو قمر، إلى قطع آخر شريان مالي يربط غزة بالعالم الخارجي، مما يجعل المواطن أسيراً للمساعدات الإغاثية التي تتحكم فيها المؤسسات الدولية. 

وأضاف أن تجميد الحسابات البنكية للأفراد والمؤسسات الحقوقية والخيرية خلق حالة من الشلل في التعاملات المالية اليومية، مما أدى إلى فقدان الثقة في النظام المصرفي المحلي وزيادة الاعتماد على القنوات غير الرسمية التي ترفع من تكلفة التحويل وتزيد من معاناة المواطنين، هذا التضييق المالي لا يقتصر أثره على الأفراد، بل يمتد ليضرب التجار الصغار والمبادرين الذين يعتمدون على دعم خارجي بسيط لاستمرار مشاريعهم، مما يغلق كافة الأبواب أمام أي محاولة للتعافي الذاتي أو الصمود الاقتصادي المستقل.

انهيار القطاعات الصناعية والزراعية

تناول الباحث أحمد أبو قمر في حديثه لـ "180 تحقيقات" حجم الدمار الهائل الذي لحق بالبنية التحتية الاقتصادية نتيجة الحروب المتكررة، مؤكداً أن القطاع الصناعي تعرض لتدمير شبه كامل بنسبة وصلت إلى 97%، حيث توقفت أغلبية المصانع عن العمل إما بسبب القصف المباشر أو بسبب منع دخول المواد الخام وقطع الغيار، هذا الانهيار لم يتوقف عند الصناعة، بل طال القطاع الزراعي الذي فقد أكثر من 88% من قدرته الإنتاجية نتيجة تجريف الأراضي وتدمير الدفيئات الزراعية ومنع الوصول إلى الأراضي الحدودية، مما أدى إلى فقدان غزة لأمنها الغذائي الذاتي.

كما أشار إلى أن القطاع الخدماتي لم يكن أوفر حظاً، حيث تضرر بنسبة تفوق 60%، مما أدى إلى تعطل آلاف الوظائف في مجالات التجارة والنقل والسياحة الداخلية، وهو ما يفسر وصول الاقتصاد إلى حالة "الجمود السريري".

هذا الدمار الممنهج للبنية الإنتاجية يعني، وفقاً لأبو قمر، أن غزة لم تعد تمتلك قاعدة اقتصادية يمكن الانطلاق منها نحو التنمية، بل أصبحت تحتاج إلى البدء من الصفر في كل شيء وإن استهداف المزارع والمصانع والأسواق المركزية يهدف إلى تحويل قطاع غزة إلى مستهلك دائم للبضائع المستوردة، ويقضي على أي محاولة للمنافسة المحلية أو التصدير.

 وأوضح أن فقدان القدرة الإنتاجية الزراعية على وجه الخصوص أدى إلى ارتفاع جنوني في أسعار الخضروات والمنتجات الأساسية، مما زاد من أعباء المواطن الذي يعاني أصلاً من الفقر. إن استعادة هذه القطاعات تتطلب سنوات من العمل الجاد واستثمارات هائلة، وهو ما يبدو بعيد المنال في ظل الظروف السياسية والأمنية الراهنة التي تمنع دخول المعدات الثقيلة والمواد الإنشائية اللازمة لإعادة التشغيل.

جمود إعادة الإعمار واقتصاد البقاء

وبخصوص فرص النمو الحقيقية، أكد أبو قمر لـ "180 تحقيقات" أن غزة لا تعيش حالياً أي حالة نمو، بل ما يمارس هو "اقتصاد البقاء" فقط، وهو نمط اقتصادي يهدف إلى منع الموت جوعاً دون أي تطلع للتطور أو الرفاه. 

وأوضح أن عملية إعادة الإعمار، التي تقدر التقارير الأممية تكلفتها ما بين 60 إلى 70 مليار دولار، تشهد جموداً كبيراً وغير مبرر من قبل الأطراف الدولية والمانحين، هذا الجمود يؤدي إلى استمرار تدوير الأزمات وبقاء السكان في مراكز الإيواء أو البيوت المهدمة دون أفق للحل، مما يقتل أي فرصة لنمو الناتج المحلي الإجمالي أو خلق فرص عمل حقيقية في قطاع الإنشاءات والصناعات المرتبطة به وإن غياب التمويل اللازم لإعادة الإعمار يعني بقاء غزة في "غرفة الإنعاش" الاقتصادية لفترة طويلة، مع تزايد الاحتياجات السكانية والانفجار الديموغرافي المستمر.

وانتقد أبو قمر خلال تصريحاته دور المنظمات الدولية، معتبراً أنها تفهم دورها بشكل خاطئ أو لا تقوم بالمهام المنوطة بها بشكل فعال، حيث تركز جهودها على تعزيز منهجية المساعدات الإغاثية البسيطة التي تكرس "اقتصاد البقاء" بدلاً من دعم المشاريع التنموية والإنتاجية.

وطالب الباحث بضرورة تغيير فلسفة العمل الإغاثي لتنتقل من توزيع الطرود الغذائية إلى "مساعدات للتصنيع والإنتاج"، بحيث تساهم هذه المنظمات في إعادة تشغيل المصانع ودعم المزارعين لاستعادة قدرتهم على الإنتاج، مما يقلل من التبعية للمساعدات الخارجية بمرور الوقت ، إن استمرار النهج الحالي للمنظمات الدولية يساهم، بقصد أو ببدون قصد، في تدجين المجتمع اقتصادياً وجعله معتمداً بشكل دائم على ما تجود به تلك المؤسسات، بدلاً من تمكينه من استعادة سيادته الاقتصادية والغذائية.

ويشدد أحمد أبو قمر على أن الحل لا يكمن في زيادة عدد الشاحنات الإغاثية فحسب، بل في رفع القيود الإسرائيلية عن الحوالات المالية وفتح المعابر أمام الصادرات والواردات الصناعية، وتدفق أموال إعادة الإعمار بشكل حقيقي وشفاف.

خاص_ 180 تحقيقات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال