كشف قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شن عدوان عسكري ضد إيران عن انقسام متزايد داخل معسكر «ماجا»، وهو التيار السياسي الداعم لشعار «أمريكا أولًا». ويقول عدد من المؤيدين إن هذا الانقسام قد يتسع أكثر مع استمرار الصراع، خصوصًا إذا طال أمد الحرب في المنطقة.
ومنذ الضربة الأولى للعدوان الأمريكي، التي نُفذت الأسبوع الماضي، واجهت قرارات ترامب انتقادات حادة من بعض أبرز الأصوات المؤثرة في الإعلام المؤيد له، وهي شخصيات لعبت دورًا مهمًا في تعزيز حملته الانتخابية عام 2024. ومن بين هؤلاء مستشاره السابق ستيف بانون، إضافة إلى شخصيات إعلامية محافظة بارزة مثل تاكر كارلسون وميجن كيلي.
ويشير عدد من الشخصيات البارزة داخل هذا التيار إلى أن الضربات العسكرية بدأت بالفعل تختبر حدود دعمهم للرئيس. ويستند هذا التقييم إلى مقابلات مع أكثر من اثني عشر من الأصوات المؤثرة داخل تحالف «ماجا»، الذين حذروا من أن استمرار العمليات دون أهداف واضحة قد يفاقم الانقسامات السياسية داخل القاعدة المؤيدة لترامب.
ويرى هؤلاء أن المخاوف الأساسية تتعلق بتغير المبررات التي تقدمها الإدارة للحرب، وغياب تصور واضح لنهايتها، إضافة إلى الخشية من الانزلاق إلى حرب طويلة في الشرق الأوسط، وهو السيناريو الذي وعد ترامب سابقًا بتجنبه. كما يشيرون إلى جدل متزايد حول استخدام الموارد الأمريكية في الخارج بدل توجيهها إلى الداخل.
مهلة محدودة
قالت ناتالي وينترز، وهي مراسلة للبيت الأبيض في برنامج «غرفة الحرب» الذي يقدمه ستيف بانون، إن الرئيس قد يواجه ضغوطًا متزايدة إذا استمرت الحرب لفترة طويلة.
وأضافت في تصريح لشبكة إخبارية أمريكية أن ترامب يمتلك، في تقديرها، مهلة لا تتجاوز شهرًا واحدًا للحفاظ على دعم القاعدة الشعبية. وأوضحت أنه بعد هذه الفترة قد يبدأ بعض المؤيدين في النظر إلى الصراع باعتباره حربًا طويلة أخرى.
ومنذ بدء العدوان، قدم ترامب ومسؤولون في إدارته تقديرات متباينة لمدة العمليات. فقد قال الرئيس في البداية إن العملية تسير «قبل الموعد المحدد»، مشيرًا إلى أن الحرب قد تستمر أربعة أسابيع أو أقل.
غير أن تصريحات لاحقة من مسؤولين في الإدارة أشارت إلى احتمال أن يكون الصراع أطول بكثير. فقد أعلن وزير الحرب بيت هيغسيث هذا الأسبوع أن العملية العسكرية «ما زالت في بدايتها».
وقال هيغسيث للصحفيين إن الولايات المتحدة بدأت القتال للتو وإنها ستواصل العمليات بحزم، مضيفًا أن إيران تعتقد أن واشنطن لن تكون قادرة على الاستمرار في هذا الصراع، وهو ما وصفه بتقدير خاطئ.
وفي تصريح آخر، قال الوزير إن الحرب قد تستمر حتى ثمانية أسابيع أو أكثر، وهو أطول إطار زمني أعلنت عنه الإدارة حتى الآن.
قلق داخل القاعدة
يضم معسكر «ماجا» عددًا من الأصوات المؤثرة التي دعمت ترامب في جزء كبير منها بسبب وعده بتجنب التدخلات العسكرية الخارجية والحروب الطويلة. ولذلك فإن تغير التقديرات الزمنية للحرب أصبح بمثابة ساعة سياسية تدق داخل هذا المعسكر.
وتعد ناتالي وينترز من الوجوه الصاعدة داخل التيار المحافظ المؤيد لترامب، إذ يتابعها مئات الآلاف على وسائل التواصل الاجتماعي، كما أصبحت صوتًا بارزًا في برنامج ستيف بانون.
انضمت وينترز إلى الحركة عندما كانت في الثامنة عشرة من عمرها، ورغم عملها في وسيلة إعلامية مؤيدة للرئيس، فإنها لم تتردد في توجيه انتقادات للإدارة في عدد من الملفات، منها قضية جيفري إبستين والعمليات العسكرية الخارجية.
وقالت إن المشكلة الأساسية التي تراها في الحرب على إيران هي غياب هدف واضح ومحدد للعملية العسكرية.
وأوضحت أن الرسائل التي تصدر عن الإدارة تبدو متناقضة في نظر كثيرين. فالبعض يقول إن الهدف هو تغيير النظام الإيراني، بينما ينفي آخرون ذلك. كما يقال إن ما يحدث ليس حربًا كاملة، لكن في الوقت نفسه لا يتم استبعاد إرسال قوات برية.
وأضافت أن هذا الغموض لا يطمئن القاعدة المؤيدة للرئيس، خصوصًا في ظل عدم صدور تصريحات رسمية خلال الأيام الأخيرة توضح بشكل قاطع أن الصراع لن يتحول إلى حرب طويلة.
تأثير محتمل على الانتخابات
قال كورت ميلز، المدير التنفيذي لمجلة «المحافظ الأمريكي»، إن استمرار الحرب لفترة طويلة قد ينعكس سلبًا على مكانة ترامب بين مؤيديه.
وأوضح أن مدة الحرب ستكون العامل الحاسم في تحديد التأثير السياسي. وأضاف أنه يتوقع أن يبدأ الصراع في التأثير على معدلات تأييد الرئيس، ليس فقط داخل قاعدته الأساسية بل بين جمهور أوسع من الناخبين.
وأشار إلى أن هذا التأثير قد يظهر بشكل خاص في انتخابات الكونغرس المقبلة، بما في ذلك سباقات مجلس الشيوخ المهمة مثل الانتخابات في ولاية تكساس، حيث يتنافس عدد من الشخصيات الجمهورية البارزة.
انقسام بين الأجيال
يرى جاك بوسوبيك، وهو معلق سياسي بارز في التيار المؤيد لترامب، أن التحالف الذي أوصل ترامب إلى السلطة عام 2024 ضم مجموعتين مختلفتين من الناخبين.
المجموعة الأولى هي القاعدة الجمهورية التقليدية، بينما تضم المجموعة الثانية موجة جديدة من الناخبين الشباب الذين لم يشارك كثير منهم في السياسة من قبل. وتشمل هذه الفئة جمهور برامج البث الصوتي ومتابعي الرياضة الذين سعت حملة ترامب إلى جذبهم قبل الانتخابات.
ويحذر بوسوبيك من أن الحرب على إيران تؤثر بشكل أكبر في هذه الفئة الشابة، مما يخلق انقسامًا جيليًا داخل معسكر «ماجا».
وأوضح أن كثيرًا من الشباب داخل هذا التيار لا يرغبون في رؤية تدخلات عسكرية خارجية، لأنهم يرون أنها تعطي الأولوية لمصالح خارجية على حساب القضايا الداخلية.
وأضاف أن هذه الفئة تركز أكثر على القضايا الاقتصادية والملفات الداخلية مثل الهجرة والعدالة، بينما لا تشكل التدخلات العسكرية الخارجية أولوية بالنسبة لهم.
وأشار إلى أن الانقسام يصبح أكثر وضوحًا مع تقدم العمر، حيث يميل بعض الناخبين الأكبر سنًا إلى دعم قرارات الرئيس العسكرية بدرجة أكبر.
كما أوضح أن جزءًا من هذا الموقف يرتبط بتجربة الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة في عهد الرئيس السابق جورج بوش الابن، والتي تركت أثرًا عميقًا لدى كثير من الناخبين.
ردود مضادة داخل المعسكر
لم تمر هذه الانتقادات دون رد داخل معسكر «ماجا». فمع تصاعد الأصوات المعارضة، ظهرت حملة مضادة من شخصيات أخرى تدافع عن الرئيس وتهاجم منتقديه.
ومن أبرز هذه الأصوات الناشطة اليمينية المتطرفة لورا لومر، التي أصبحت من أكثر المدافعين عن ترامب في هذه القضية.
وقالت لومر إن بعض المنتقدين ليسوا في الحقيقة من مؤيدي ترامب، بل بنوا جماهيرهم عبر تقديم أنفسهم على أنهم محافظون.
وفي منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، أشادت لومر بالعملية العسكرية في إيران، وهاجمت الشخصيات التي انتقدت الضربات، مؤكدة دعمها الكامل للرئيس.
اتصال مباشر مع ترامب
كشفت لومر أن الرئيس ترامب اتصل بها شخصيًا بعد العدوان ليشكرها على دعمها. وقالت إنه أخبرها أنه قضى يومه في الحديث مع قادة دوليين وقادة عسكريين، لكنه أراد التواصل معها أيضًا.
وأضافت أنها هنأت الرئيس على العدوان، ووصفته بأنها انتصار للشعب الأمريكي.
وخلال المكالمة، سألها ترامب عن ردود فعل مؤيديه تجاه الضربات العسكرية، معبرًا عن اعتقاده بأن الدعم لها واسع.
لكن لومر قالت له إن بعض الشخصيات غير راضية عن القرار، وذكرت تحديدًا تاكر كارلسون، الذي وصف العدوان في مقابلة إعلامية بأنه أمر مرفوض وغير أخلاقي.
خلاف علني
بعد هذه التصريحات، انتقد ترامب كارلسون علنًا، قائلاً إنه ابتعد عن مبادئ الحركة. وأضاف أن شعار «ماجا» يعني إنقاذ الولايات المتحدة وجعلها عظيمة مرة أخرى، وأن كارلسون لا يمثل هذه المبادئ.
وقد أدى هذا الخلاف إلى سجال علني بين الطرفين، في وقت حاولت فيه شخصيات أخرى داخل الحركة التقليل من أهمية الانقسام.
وقال المعلق دان بونغينو إن الحديث عن انقسام داخل «ماجا» مبالغ فيه، معتبراً أن بعض وسائل الإعلام تحاول تضخيم الخلافات قبل الانتخابات.
قلق من تراجع الحماس
مع ذلك، يرى بعض المراقبين داخل الحركة أن المشكلة الحقيقية قد لا تكون في انقسام واضح، بل في تراجع حماس بعض المؤيدين.
وقال كورت ميلز إن فقدان عدد صغير من الناخبين قد يكون كافيًا لتغيير نتائج الانتخابات في بعض الولايات المتأرجحة.
وأوضح أن خسارة عشرات الآلاف من الناخبين الذين قد يقررون ببساطة عدم المشاركة في التصويت قد تؤدي إلى خسارة ولايات مهمة مثل جورجيا.
قضية أساسية في هوية الحركة
من جانبها، قالت ناتالي وينترز إنها فوجئت بأن رد الفعل داخل القاعدة الشعبية لم يكن أقوى تجاه الحرب على إيران.
وأشارت إلى أن الجدل حول ملفات جيفري إبستين أثار ردود فعل سياسية أكبر من تلك التي أثارتها الحرب، رغم أن الأخيرة قد تقود إلى صراع طويل.
وأضافت أن رفض الحروب الخارجية كان أحد المبادئ الأساسية التي قامت عليها حركة «ماجا»، ولذلك فإن استمرار الحرب قد يضع هذا المبدأ على المحك.
وختمت بالقول إن كثيرين داخل الحركة يدعمون ترامب بقوة، لكنهم يرون أن من حقهم المطالبة بتوضيح أهداف الحرب وخططها المستقبلية.










