تعيش الأسواق في قطاع غزة حالة من الغلاء غير المسبوق منذ اندلاع حرب الإبادة، حيث تداخلت العوامل السياسية والميدانية لتخلق واقعاً اقتصادياً مأساوياً.
وفي هذا الصدد، يرى الباحث الاقتصادي أحمد أبو قمر أن ما يعرف بـ "تنسيقات التجار" لإدخال البضائع عبر المعابر باتت تمثل اليوم أحد أهم وأبرز أوجه هذا الغلاء المستشري.
هذه التنسيقات، التي كانت في الأصل مجرد تصاريح إجرائية لتنظيم دخول السلع، تحولت عملياً بفعل الحصار والقيود المشددة إلى سلعة قائمة بحد ذاتها، تباع وتشترى بين أوساط التجار بمبالغ فلكية، مما أدى إلى تشوه كامل في هيكلية السوق الفلسطينية داخل القطاع.
احتكار القلة والتحكم بالسوق
وفي قراءة تحليلية لآليات هذا الاقتصاد، يوضح المحلل الاقتصادي أحمد أبو قمر أن عدد التجار الذين يحصلون على هذه التنسيقات محدود جداً ولا يتجاوز 15 تاجراً فقط، يتوزعون بين 7 تجار داخل قطاع غزة و8 خارجه، هذا الانحصار يعني أن بوابة إدخال السلع الأساسية لسوق يضم نحو 2.4 مليون إنسان تمر عبر قنوات ضيقة جداً، ما يضعف مبدأ المنافسة ويمنح هذه الفئة المحدودة قدرة فائقة على التحكم في العرض والطلب ،هذا النوع من احتكار القلة، كما يصفه أبو قمر، يقتل فرص استقرار الأسعار ويجعل من المستهلك النهائي الحلقة الأضعف في هذه المنظومة المعقدة.
تكاليف خرافية تنهك المستهلك
الأرقام التي كشف عنها أحمد أبو قمر تعكس حجم الكارثة، حيث تصل تكلفة التنسيق للشاحنة الواحدة في بعض الأحيان إلى أكثر من 500 ألف شيكل وهذا يعني أن التاجر الذي يسعى لإدخال شاحنة من المواد الغذائية لا يتكفل فقط بثمن البضاعة الأصلي وتكاليف شحنها، بل يضطر لدفع مئات آلاف الشواكل الإضافية لمجرد السماح بدخولها عبر المعبر.
ويؤكد أبو قمر أن هذه التكلفة الباهظة لا يتحملها التاجر من أرباحه، بل يتم إضافتها مباشرة وبشكل تراكمي إلى سعر السلعة النهائي في السوق، ليدفعها المواطن الغزي الذي يعاني أصلاً من انعدام الدخل وتدهور الأوضاع المعيشية.
مليار دولار ضائعة في السوق الموازية
وتشير التقديرات التي أوردها الباحث أحمد أبو قمر إلى أن إجمالي الأموال التي دُفعت مقابل هذه التنسيقات منذ بدء الحرب قد تجاوز مبلغ مليار وربع المليار دولار هذا الرقم الضخم يعكس بوضوح كيف أصبحت عملية إدخال البضائع سوقاً موازية تستنزف السيولة النقدية من القطاع وتذهب في مسارات غير إنتاجية وإن تحويل "حق المرور" إلى تجارة مربحة بهذا الشكل هو ما جعل من قطاع غزة بيئة طاردة للاستقرار الاقتصادي، وحول رغيف الخبز والسلع الأساسية إلى حلم يصعب الوصول إليه للكثير من العائلات النازحة والمحرومة.
تراجع الإمدادات وتضاعف الأسعار
في ظل تراجع أعداد الشاحنات المسموح بدخولها يومياً إلى أقل من ربع حاجة سكان القطاع، ومع ارتفاع الطلب بشكل جنوني داخل مراكز الإيواء والمدن، يشير أحمد أبو قمر إلى أن أسعار العديد من السلع الضرورية ارتفعت إلى أكثر من 5 أضعاف مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب هذا التضخم الجامح ليس ناتجاً عن ندرة السلع عالمياً، بل هو نتاج مباشر لسياسة الخنق التجاري واقتصاد "الخاوات" أو التنسيقات التي تفرض أعباءً لا تطيقها الجبال.
ويرى أبو قمر أن استمرار هذا النهج في إدارة المعابر ينذر بكارثة إنسانية أعمق، حيث يصبح الحصول على الغذاء مرتبطاً بقدرة الفرد على دفع مبالغ تذهب لصالح "سماسرة التنسيقات".
يختتم الباحث الاقتصادي أحمد أبو قمر رؤيته بالتأكيد على أن كسر حلقة الغلاء يبدأ من تحرير المعابر من قيود "التنسيقات" الاحتكارية وفتح الباب أمام تدفق السلع بشكل طبيعي وتنافسي، وإن غياب الرقابة الدولية والوطنية الفاعلة على هذه الآليات هو ما شرعن وجود هذه "السوق السوداء" للتصاريح.
وشدد أبو قمر على أن الحل لا يكمن فقط في زيادة عدد الشاحنات، بل في تغيير المنظومة التي تسمح لعدد محدود من الأفراد بالتحكم في مصير ملايين البشر، لضمان وصول السلعة بسعرها العادل دون إضافات ناتجة عن "اقتصاد الظل" الذي يقتات على جراح الغزيين.










