أدلى وزير العدل اللبناني، عادل نصار، بتصريحات لافتة عبر قناة الجزيرة مباشر، أكد فيها أن الدولة اللبنانية تنظر إلى أي مواجهة عسكرية مباشرة مع إسرائيل كخيار غير محسوب العواقب في الوقت الراهن، وذلك بالنظر إلى القدرات العسكرية الكبيرة التي يمتلكها جيش الاحتلال الإسرائيلي. وأوضح الوزير أن موازين القوى الراهنة تفرض على الدولة اللبنانية توخي الحذر الشديد، مشيراً إلى أن الانجرار إلى صدام مسلح قد يؤدي إلى تداعيات كارثية على البنية التحتية والشعب اللبناني، خاصة في ظل التاريخ الطويل من المذابح الإسرائيلية التي لم تتوقف، والتي بلغت ذروتها في حرب الإبادة الجماعية التي يشنها الاحتلال منذ أكتوبر 2023 بدعم مباشر ومطلق من إدارة الرئيس ترامب في أمريكا.
ويعكس هذا الموقف الرسمي حالة من الانقسام في الرؤية الاستراتيجية للدفاع عن لبنان، حيث يرى نصار أن الواقعية السياسية تتطلب الاعتراف بالفجوة العسكرية، بدلاً من الدخول في صراعات قد لا تقوى مفاصل الدولة المنهكة اقتصادياً على تحمل تبعاتها. إن هذه القراءة، وفقاً لتصريحات الوزير، تنطلق من الحرص على ما تبقى من مؤسسات الدولة، لكنها في الوقت ذاته تصطدم بواقع استمرار العدوان الصهيوني الذي لا يحتاج أصلاً لذرائع لارتكاب مجازره، كما هو مشهود في الأراضي الفلسطينية المحتلة حيث تُسحق المدن والقرى تحت مرأى ومسمع من العالم الذي تقوده واشنطن بسياساتها المنحازة.
السلاح وحرج الدبلوماسية
وفي سياق تحليله للعلاقة بين الدولة وحزب الله، أشار وزير العدل إلى أن تمسك الحزب بسلاحه ورفضه التام لمقترحات نزع السلاح يؤدي بشكل مباشر إلى إضعاف الموقف التفاوضي للدولة اللبنانية في المحافل الدولية وعند مواجهة إسرائيل دبلوماسياً. وأضاف نصار أن وجود تشكيلات مسلحة خارج إطار مؤسسات الدولة الرسمية يمنح سلطات الاحتلال الإسرائيلي ذرائع ومبررات، يصفها بأنها "غير شرعية" قانونياً، لكنها تُستخدم دولياً لتبرير العدوان المستمر على السيادة اللبنانية. ويرى الوزير أن توحيد قرار السلاح تحت راية الجيش اللبناني هو السبيل الوحيد لسحب البساط من تحت أقدام البروباجندا الصهيونية التي تحاول تبرير قصف المدنيين بحجة وجود أهداف عسكرية غير رسمية.
وتكشف هذه التصريحات عن عمق الأزمة السياسية التي يعيشها لبنان في مواجهة الضغوط الخارجية، لاسيما تلك القادمة من إدارة الرئيس ترامب التي تضغط باتجاه تجريد القوى الإقليمية من أدوات قوتها لصالح تأمين التفوق الإسرائيلي المطلق.
إن اتهام حزب الله بمنح "ذرائع" للعدوان يضع الجدلية اللبنانية في قلب العاصفة، حيث يرى معارضون لهذا الطرح أن طبيعة الاحتلال الصهيوني توسعية وعدوانية بحد ذاتها، وأن المجازر التي نراها يومياً منذ أكتوبر 2023 تثبت أن الاحتلال لا يحتاج لمبررات لممارسة القتل المنهجي، بل هو يستغل الغطاء الأمريكي لتنفيذ مخططاته القديمة في المنطقة سواء وجد سلاح المقاومة أم لم يوجد.
الجيش وحاضنة الحزب
وتطرق عادل نصار إلى العلاقة بين القاعدة الجماهيرية لحزب الله وبين المؤسسة العسكرية اللبنانية، حيث أعرب عن اعتقاده بأن جمهور الحزب لن ينجر إلى تأييد أي مواجهة أو تصادم مع الجيش اللبناني في حال نشوب خلافات حول الانتشار الأمني أو السيادة الميدانية. وشدد الوزير على أن الجيش يظل المؤسسة التي تحظى بإجماع وطني، وأن أي محاولة لزعزعة العلاقة بينه وبين المكونات الشعبية ستفشل أمام الوعي بضرورة الحفاظ على السلم الأهلي. إن هذه الرؤية تحاول استشراف مستقبل العلاقة بين القوى المسلحة في لبنان في ظل التهديدات الإسرائيلية المتزايدة والضغوط التي تمارسها أمريكا لفرض ترتيبات أمنية جديدة في الجنوب اللبناني.
ويرى مراقبون أن مراهنة الوزير على "وعي الجمهور" تعكس رغبة الدولة في تجنب سيناريوهات الفتنة الداخلية، إلا أنها لا تغفل التحديات الجسيمة التي تفرضها الأجندات الخارجية. فبينما تحاول الحكومة اللبنانية المناورة دبلوماسياً، تواصل إسرائيل، بضوء أخضر من الرئيس ترامب، انتهاكاتها الصارخة للسيادة اللبنانية جواً وبحراً وبراً. إن الحقيقة الماثلة في المشهد الإقليمي هي أن لغة القوة تظل هي المهيمنة، وأن الدبلوماسية اللبنانية، مهما بلغت براعتها، ستظل مقيدة ما لم يكن هناك رادع حقيقي يمنع تكرار مآسي الماضي القريب والبعيد التي خلفها الاحتلال في كل شبر وصل إليه.










