تتصاعد حدة التوترات في مدينة القدس المحتلة مع استمرار سلطات الاحتلال الإسرائيلي في فرض حصار مشدد وعزل تام للمسجد الأقصى المبارك، حيث دخل الإغلاق يومه العشرين على التوالي في خطوة وصفها مراقبون بأنها تهدف إلى تفريغ المدينة المقدسة من هويتها العربية والإسلامية.
وفي هذا السياق، استنكرت اللجنة الرئاسية العليا لشؤون الكنائس في فلسطين، التابعة لمنظمة التحرير، حرمان الفلسطينيين من ممارسة شعائرهم الدينية ومنعهم من الصلاة والاحتفال بعيد الفطر في رحاب المسجد الأقصى، معتبرة أن التذرع بالأسباب الأمنية الواهية ما هو إلا غطاء لتنفيذ مخططات أبعد أثراً تتعلق بتغيير الوضع القانوني والتاريخي القائم.
إن هذا الإغلاق المستمر منذ 19 يوماً قبل حلول العيد، وإفراغ المسجد من عمرانه البشري، يمثل سابقة خطيرة في تاريخ الصراع، حيث يسعى الاحتلال من خلالها إلى جس نبض الشارع الفلسطيني والدولي تمهيداً لفرض تقسيمات زمانية ومكانية جديدة تتزامن مع ما يسمى بالأعياد اليهودية المقبلة، مما يضع المقدسات الإسلامية والمسيحية على حد سواء في دائرة استهداف مباشرة وممنهجة لا تتوقف عند حدود المنع من الصلاة بل تتعداها إلى تغيير معالم المدينة بالكامل.
استهداف الهوية الوطنية والمقدسات المسيحية والإسلامية
أكدت اللجنة الرئاسية لشؤون الكنائس في بيان رسمي صدر اليوم الخميس، أن الإجراءات القمعية التي تشهدها القدس المحتلة لا تقتصر على المسجد الأقصى فحسب، بل تمتد لتشمل محيط كنيسة القيامة والبلدة القديمة بشكل عام، في محاولة واضحة لفرض واقع ديموغرافي وجغرافي جديد يخدم الرواية الاحتلالية.
وأوضحت اللجنة أن هذه الترتيبات تهدف بالأساس إلى المس بالهوية الأصيلة لمدينة القدس، من خلال تضييق الخناق على المصلين والحجاج والزوار، وتحويل المدينة إلى ثكنة عسكرية مغلقة تفتقر لأدنى معايير حرية العبادة التي كفلتها القوانين الدولية.
إن التزامن بين إغلاق الأقصى والتشديد العسكري في محيط كنيسة القيامة يعكس وحدة المصير الفلسطيني في مواجهة آلة القمع، حيث يسعى اليمين المتطرف في حكومة الاحتلال إلى تقويض الحقوق الوطنية والسيادية للفلسطينيين في عاصمتهم الأبدية، مستغلاً الظروف الإقليمية والدولية الراهنة لتسريع وتيرة التهويد وتثبيت حقائق جديدة على الأرض يصعب تغييرها مستقبلاً، وهو ما يمثل انتهاكاً صارخاً لكافة المواثيق التي تؤكد على عروبة القدس وقدسيتها لدى أتباع الديانات السماوية كافة.
تفاقم الكارثة الإنسانية واتساع رقعة العدوان
لم تكن القدس بمعزل عما يحدث في بقية الأرض الفلسطينية المحتلة، حيث أشارت اللجنة الرئاسية إلى أن اعتداءات الاحتلال تتمدد لتشمل كافة الجغرافيا الفلسطينية في ظل صمت دولي مريب ومخزٍ. ففي قطاع غزة المحاصر، تتفاقم الكارثة الإنسانية يوماً بعد يوم بفعل سياسات القتل الممنهج والتهجير القسري والتجويع الذي يستخدمه الاحتلال كأداة ضغط سياسي وعسكري ضد المدنيين العزل.
وبالتوازي مع ذلك، تشهد مدن ومخيمات الضفة الغربية تصعيداً خطيراً في إرهاب المستوطنين المحميين بقوة جيش الاحتلال، والذي يترافق مع توسع استيطاني محموم يلتهم ما تبقى من الأرض الفلسطينية.
إن سياسة الحصار عبر الحواجز والبوابات العسكرية والضغط الاقتصادي الخانق تهدف في مجملها إلى دفع الشعب الفلسطيني نحو اليأس أو الهجرة، وهي استراتيجية تتبناها حكومة اليمين الإسرائيلي لتقويض أي فرصة لإقامة دولة فلسطينية مستقلة. وهذا الربط بين ما يحدث في غزة والقدس والضفة يؤكد أن المعركة واحدة، وأن الاحتلال يسعى إلى حسم الصراع من خلال القوة الغاشمة وتجاهل كافة النداءات الدولية الداعية لوقف العدوان وتوفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني المنكوب.
حالة الطوارئ الزائفة والانتشار العسكري المكثف
أفادت محافظة القدس في تصريح إعلامي اليوم الخميس، بأن قوات الاحتلال تواصل منع المواطنين من التواجد في المسجد الأقصى أو حتى الاقتراب من أبواب البلدة القديمة، متذرعةً بإعلان "حالة الطوارئ" التي تُستخدم كفزاعة قانونية لتبرير الانتهاكات الميدانية.
وشهدت المنطقة انتشاراً مكثفاً للوحدات الخاصة وقوات حرس الحدود عند كافة المداخل المؤدية للباحات، حيث يتم التدقيق في هويات المارة ومنع الشباب بشكل خاص من الوصول إلى أماكن عباداتهم.
هذا المشهد العسكري المكثف يهدف إلى خلق حالة من الرعب والرهبة في نفوس المقدسيين، ومنعهم من إظهار أي مظاهر احتفالية أو شعائرية مرتبطة بعيد الفطر، مما يحول فرحة العيد إلى مأتم سياسي واجتماعي.
إن إغلاق الأقصى لليوم العشرين وتفريغه التام من المصلين تحت حجج أمنية واهية يثبت أن الهدف ليس "الأمن" بمعناه التقليدي، بل هو السيطرة السيادية الكاملة ومنع الفلسطينيين من ممارسة حقهم الطبيعي في عاصمتهم، وهو ما يضع المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية أمام مسؤولية تاريخية لمساءلة حكومة الاحتلال عن هذه الجرائم التي تنتهك حرية الدين والمعتقد بشكل فج وعلني.










