تحول أول أيام عيد الفطر المبارك في مدينة جنين ومخيمها إلى ساحة لمواجهة جديدة بين الأهالي الذين حاولوا ممارسة طقوسهم الدينية والاجتماعية وبين قوات الاحتلال الإسرائيلي التي فرضت طوقاً عسكرياً مشدداً.
ففي صبيحة يوم العيد، منعت قوات الاحتلال مئات الفلسطينيين من الوصول إلى مقبرة الشهداء الواقعة على أطراف مخيم جنين، وهي المنطقة التي تحمل رمزية كبيرة لسكان المخيم والمدينة.
وانتشر جنود الاحتلال بكثافة في محيط المقبرة، معززين بآليات عسكرية، لمنع أي تجمع للمواطنين الراغبين في قراءة الفاتحة على أرواح أبنائهم الذين سقطوا خلال الاقتحامات المتكررة للقطاع والضفة، مما حول فرحة العيد إلى حالة من الغضب والتوتر الميداني.
وأفادت مصادر محلية وشهود عيان بأن قوات الاحتلال لم تكتفِ بالمنع السلمي، بل لجأت إلى استخدام القوة والتهديد لإجبار السكان على مغادرة المكان والابتعاد عن محيط المقبرة، هذا الإجراء قوبل باستنكار واسع، حيث اعتبره الأهالي محاولة متعمدة لتنغيص فرحة العيد وكسر الروح المعنوية لذوي الشهداء الذين اعتادوا في كل عيد أن يبدأوا يومهم بزيارة قبور أحبائهم.
إن عرقلة وصول السكان إلى القبور في أول أيام الفطر تمثل انتهاكاً صارخاً لحرية ممارسة الشعائر الدينية والحقوق الإنسانية البسيطة، وتأتي في سياق سياسة العقاب الجماعي التي ينتهجها الاحتلال ضد مخيم جنين كونه يمثل أيقونة للمقاومة في الضفة الغربية المحتلة.
استنفار عسكري في محيط المخيم
بدأ الاستنفار العسكري الإسرائيلي منذ ساعات الفجر الأولى، حيث شوهدت تعزيزات كبيرة تتجه نحو مداخل مخيم جنين والمناطق المحيطة بمقبرة الشهداء.
وتمركز القناصة فوق أسطح المنازل المجاورة للمقبرة، بينما جابت الدوريات العسكرية الشوارع القريبة لمنع تدفق المواطنين. ووفقاً للتقارير الميدانية، فإن جنود الاحتلال تعاملوا بعدوانية واضحة مع كبار السن والنساء الذين حاولوا الوصول إلى أضرحة الشهداء، وأشهروا السلاح في وجوههم لإرغامهم على التراجع، مما أدى إلى اندلاع مشادات كلامية حادة بين الشبان وجنود الاحتلال الذين هددوا باستخدام الرصاص وقنابل الصوت لتفريق أي تجمهر إضافي في المنطقة.
اقتحام بلدة عجة ومداهمة المنازل
ولم يقتصر التوتر على مخيم جنين فحسب، بل امتد ليشمل القرى والبلدات المجاورة في ظل حالة الاستنفار الإسرائيلية الشاملة بالضفة الغربية. حيث اقتحمت قوات الاحتلال بلدة عجة، الواقعة إلى الجنوب من مدينة جنين، وداهمت عدة منازل فلسطينية بشكل عنيف تحت ذريعة البحث عن "مطلوبين".
وأفاد سكان البلدة بأن الجنود قاموا بتفتيش المنازل والعبث بمحتوياتها وإخضاع القاطنين فيها لاستجوابات ميدانية، مما أثار حالة من الرعب والهلع بين الأطفال والنساء في صبيحة يوم العيد. ورغم شراسة المداهمات، لم يبلغ عن وقوع اعتقالات، إلا أن الهدف من هذه العمليات بدا واضحاً وهو فرض القبضة الأمنية ومنع أي حراك شعبي احتفالي بالعيد قد يتطور إلى مواجهات مع الاحتلال.
تصعيد وتيرة الاقتحامات في الضفة
يعكس ما حدث في جنين وعجة اليوم نمطاً أوسع من التصعيد الإسرائيلي الملحوظ في كافة مناطق الضفة الغربية خلال الفترة الأخيرة. إذ تنفذ قوات الاحتلال عمليات دهم وتفتيش شبه يومية في المدن والبلدات والمخيمات الفلسطينية، وهي عمليات غالباً ما تتخللها مواجهات عنيفة بين الشبان والجنود.
وتستخدم قوات الاحتلال في هذه المداهمات الرصاص الحي والمعدني المغلف بالمطاط، بالإضافة إلى الإطلاق الكثيف لقنابل الغاز المسيل للدموع والقنابل الصوتية، مما يؤدي إلى وقوع إصابات وحالات اختناق بين المواطنين الآمنين في بيوتهم.
هذا التصعيد الممنهج يهدف إلى استنزاف قوى الشعب الفلسطيني وتقييد حركته، خاصة في المناسبات الوطنية والدينية التي تشهد عادةً زخماً جماهيرياً كبيراً.
دلالات التوقيت في أول أيام الفطر
إن اختيار الاحتلال لأول أيام عيد الفطر لتنفيذ هذه التضييقات في جنين يحمل دلالات سياسية وأمنية عميقة، فالسلطات الإسرائيلية تدرك تماماً أهمية هذا اليوم بالنسبة للفلسطينيين، ومدى الارتباط العاطفي بين السكان ومقبرة الشهداء التي تضم رفات العشرات من الشبان الذين ارتقوا خلال العامين الماضيين.
ومن خلال منع هذه الزيارات، يحاول الاحتلال عزل الشهداء عن بيئتهم الحاضنة حتى بعد رحيلهم، ومنع تحول المقبرة إلى مزار وطني يجدد العهد بالمقاومة. هذا التوقيت يكشف عن استراتيجية إسرائيلية تهدف إلى منع أي مظهر من مظاهر "السيادة المعنوية" للفلسطينيين على أراضيهم ومقدساتهم، وحتى على أجساد موتاهم في يوم هو في الأصل للفرح والتراحم.
سياسة العقاب الجماعي المتبعة
تندرج هذه الممارسات تحت ما يسمى بسياسة "العقاب الجماعي" التي تمارسها سلطات الاحتلال ضد مخيم جنين والبلدات المحيطة به. فمنع زيارة القبور، واقتحام المنازل في العيد، وعرقلة حركة التنقل بين المدن، كلها إجراءات تهدف إلى جعل حياة الفلسطينيين اليومية مستحيلة ومحفوفة بالمخاطر.
ويرى مراقبون أن الاحتلال يحاول من خلال هذا التضييق الضغط على الحاضنة الشعبية للمقاومة في جنين، ظناً منه أن تنغيص الحياة الاجتماعية والدينية قد يدفع الناس للتخلي عن دعمهم للعمل المقاوم. إلا أن النتائج الميدانية غالباً ما تأتي عكسية، حيث تزيد هذه الممارسات من إصرار الشبان على التصدي للاقتحامات وتعمق الفجوة والعداء تجاه السياسات القمعية الإسرائيلية.
صمود جنين أمام التحديات الأمنية
رغم هذه الإجراءات العسكرية المشددة والانتشار الكثيف للجنود، إلا أن مدينة جنين ومخيمها يثبتان في كل مرة قدرة عالية على الصمود والتمسك بالثوابت.
فالأهالي الذين مُنعوا من دخول المقبرة، أقاموا صلاة العيد في الساحات القريبة وصدحت حناجرهم بالتكبيرات التي امتزجت بالهتافات الوطنية، مؤكدين أن السلاح والبارود لا يمكن أن يمنع الوفاء للشهداء.
إن مشهد العائلات التي تقف أمام الحواجز العسكرية بملابس العيد، وهي تحمل الورود لتضعها على أضرحة الشهداء، يمثل ذروة التحدي الشعبي الفلسطيني الذي يرفض الخضوع لإملاءات القوة العسكرية، ويتمسك بحقه في الاحتفاء بشهدائه وبأعياده رغم أنف الاحتلال وممارساته القمعية.










