في عالم يُفترض أن تحكمه القوانين الدولية والمؤسسات متعددة الأطراف، يزداد شعور كثير من الشعوب بأن النظام العالمي لا يقوم دائمًا على العدالة بقدر ما يقوم على موازين القوة. ومن هنا يبرز العنوان الصادم: قطاع الطرق يحكمون العالم. هذا التعبير ليس توصيفًا حرفيًا بقدر ما هو استعارة سياسية يستخدمها منتقدو النظام الدولي للإشارة إلى قدرة بعض الدول على فرض سياساتها رغم الاعتراضات الدولية.
منذ نهاية الحرب الباردة، تكرّس نفوذ الولايات المتحدة بوصفها القوة الأكثر تأثيرًا في السياسة والاقتصاد والأمن العالمي. هذا النفوذ يقوم على التفوق العسكري وشبكات التحالف الواسعة والتأثير في المؤسسات الدولية. ويرى مؤيدو هذا الدور أنه ساهم في الحفاظ على قدر من الاستقرار العالمي، بينما يرى منتقدوه أنه يتحول أحيانًا إلى وسيلة لفرض المصالح الاستراتيجية على حساب العدالة الدولية.
وفي قلب هذا الجدل تبرز العلاقة الخاصة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وهي علاقة استراتيجية ممتدة لعقود، تشمل الدعم العسكري والسياسي والدبلوماسي. هذه العلاقة تُعد من أكثر القضايا إثارة للنقاش، خصوصًا في سياق الصراع مع فلسطين.
تؤكد الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة أن عملياتها العسكرية، سواء في قطاع غزة أو في مناطق أخرى من الأراضي الفلسطينية، تأتي في إطار ما تصفه بالدفاع عن أمنها القومي. غير أن هذا التبرير يواجه انتقادات واسعة من قبل باحثين ومنظمات حقوقية وخبراء في القانون الدولي.
أول هذه الانتقادات يتعلق بمبدأ التناسب في القانون الدولي الإنساني، الذي يفرض على أي قوة عسكرية تجنب إلحاق أضرار مفرطة بالمدنيين مقارنة بالهدف العسكري. ويرى منتقدون أن حجم الدمار الواسع في قطاع غزة وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين يطرح تساؤلات جدية حول مدى الالتزام بهذا المبدأ.
ثانيًا، يشير منتقدو السياسات الإسرائيلية إلى أن الاحتلال طويل الأمد للأراضي الفلسطينية، بما في ذلك التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، يعقّد الادعاء بأن كل العمليات العسكرية تندرج ضمن إطار الدفاع عن النفس، لأن الصراع يرتبط بسياق سياسي وقانوني أوسع.
ثالثًا، تؤكد تقارير منظمات حقوقية دولية أن النزاع في قطاع غزة خلّف أزمة إنسانية عميقة نتيجة الدمار الواسع للبنية التحتية ونقص الغذاء والمياه والخدمات الصحية. ويرى منتقدون أن استمرار هذه الأوضاع لفترات طويلة يضعف الحجة القائلة إن العمليات العسكرية تهدف فقط إلى تحقيق الأمن.
كما يستشهد منتقدو السياسات الدولية بمثال آخر على ما يصفونه بسياسة القوة، وهو التوترات العسكرية المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. فقد شهدت السنوات الأخيرة سلسلة من العمليات العسكرية والضربات المتبادلة والهجمات غير المباشرة، سواء عبر استهداف مواقع عسكرية أو عبر عمليات أمنية معقدة في المنطقة.واليوم هذه الحرب تتوسع وتهدد الأمن الاقتصادي العالمي .
ويرى بعض المحللين أن هذه المواجهات تعكس نمطًا من الصراع القائم على الردع والضغط العسكري، بينما يعتبرها منتقدون مثالًا آخر على استخدام القوة خارج إطار القانون الدولي، وهو ما يزيد من حالة عدم الاستقرار في الشرق الأوسط.
من هذا المنظور، يرى كثير من المراقبين أن استمرار هذه الصراعات يعكس أزمة أعمق في النظام الدولي، حيث تبدو آليات المحاسبة الدولية محدودة عندما يتعلق الأمر بصراعات ترتبط بمصالح القوى الكبرى.
في النهاية، يبقى الجدل قائمًا بين من يرى هذه السياسات جزءًا من حسابات الأمن القومي للدول، ومن يرى فيها مثالًا على اختلال ميزان القوة في النظام الدولي. وبين هذين الموقفين، يظل المدنيون في مناطق النزاع هم الأكثر تضررًا، فيما يستمر السؤال الأكبر مطروحًا: هل يستطيع المجتمع الدولي بناء نظام أكثر عدلًا يوازن بين الأمن وحقوق الإنسان، أم أن منطق القوة سيبقى العامل الحاسم في السياسة العالميه؟
ويبقى قطاع الطرق يحكمون العالم!







