قراءة جيوسياسية معمقة في استراتيجيات الهيمنة، وازدواجية المعايير، وتوظيف المذهبية، وتداعيات الانسحاب الأمريكي على المحميات الخليجية
افتتاحية: الصراع الحقيقي ليس حيث تراه الأنظار – مقدمة تؤسس للربط بين كل المحاور
في زمن تتصدر فيه عناوين إيران وخامنئي وإسرائيل واجهة الأحداث، يتساءل المراقب السطحي: هل هذه هي الحرب المصيرية التي ستحدد مستقبل المنطقة؟ الجواب الذي تقدمه الوقائع بمنطقها البارد هو: لا. ما نراه على السطح هو مجرد أمواج تضرب الشاطئ، لكن التيار العميق الذي يحرك هذه الأمواج يقع في مكان آخر تمامًا.
لن نطيل في سرد الأحداث التي يعرفها الجميع، بل سنذهب مباشرة إلى التحليل الذي يكشف البنية التحتية للصراع. فمنذ عقود، تتبع الإدارة الأمريكية استراتيجية واضحة المعالم في تعاملها مع القوى الصاعدة: لا تواجهها في ميدان قوتها، بل اقطع عنها إمداداتها، وأحطها بحلقة من النزاعات التي تستنزفها، واستخدم أدواتك المتاحة – بما فيها الدين والسياسة والإعلام – لتفكيك تحالفاتها قبل أن تترسخ.
هذه الاستراتيجية، التي صاغها نخبة من الاستراتيجيين الأميركيين في مراكز الأبحاث الكبرى مثل مؤسسة راند ومجلس العلاقات الخارجية، تقوم على فكرة أن المعركة الحقيقية في القرن الحادي والعشرين لن تكون حربًا مباشرة بين القوى الكبرى، بل حربًا بالوكالة، تُدار عبر "جبهات متعددة" تبدو للوهلة الأولى غير مترابطة، لكنها في جوهرها حلقات في سلسلة واحدة.
النموذج الأوضح لهذه الاستراتيجية يمكن تتبعه في ساحتين متباعدتين جغرافيًا لكنهما متصلتان استراتيجيًا: فنزويلا وإيران. في فنزويلا، لم تكن العملية التي استهدفت النظام هناك مجرد تصفية لنظام سياسي معارض، بل كانت حلقة في سلسلة قطع إمدادات الطاقة عن الصين، أكبر مستورد للنفط في العالم. ففنزويلا كانت تزود الصين بنحو 800 ألف برميل يوميًا من النفط، وهو خط إمداد حيوي في معادلة الطاقة الصينية. في إيران، الضربة التي استهدفت النظام لم تكن فقط لمواجهة "التهديد النووي" كما يروج، بل كانت لقطع خط إمداد آخر للصين، حيث كانت إيران تصدر نحو 1.5 مليون برميل يوميًا إلى بكين.
هذان الحدثان، رغم تباعدهما الجغرافي واختلاف ذريعتهما الظاهرية، يشتركان في هدف واحد: قطع أنابيب الوقود عن المحرك الصيني العملاق الذي يدير ربع الإنتاج العالمي. لأن الصين، رغم قوتها الاقتصادية الهائلة، تعاني من نقطة ضعف جوهرية: تعتمد على استيراد 73% من احتياجاتها النفطية. وأمريكا، التي تعرف أن مواجهة الصين في ميدانها الاقتصادي المباشر ستكون مكلفة، اختارت استراتيجية "قطع الأنابيب" عبر أربع جبهات رئيسية: فنزويلا، إيران، روسيا (عبر العقوبات)، والسعودية (عبر إشعال حروب تستنزف الإنتاج).
هذه الرؤية، التي طرحها بمنطق الجيوسياسي راي داليو في تحليلاته عن "النظام العالمي المتغير"، تؤكد أن الصراع الحقيقي ليس في الشرق الأوسط ولا في أمريكا اللاتينية، بل بين القوة الصاعدة (الصين) والقوة القائمة (الولايات المتحدة). وكل ما نراه من حروب وأزمات في المنطقة ليس سوى "جبهات فرعية" في هذه الحرب الكبرى.
وهنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا الذي سيكون الخيط الرابط بين كل محاور هذا المقال: ماذا عن العالم العربي؟ وماذا عن دول الخليج العربي على وجه الخصوص، التي تحولت على مدى العقود الماضية إلى "محميات" تحت المظلة الأمنية الأمريكية، وإلى أسواق مضمونة للسلاح الأميركي، وإلى أدوات في هذه الاستراتيجية الكبرى؟
للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من تفكيك المشاريع الغربية الثلاثة التي صُممت لتفكيك الأمة من الداخل: الإسلاموفوبيا كصناعة للخوف من الهوية الجامعة، والتشيّع كأداة لتحويل الخلاف الفقهي إلى صراع وجودي، والإيرانية كصناعة للعدو الموحّد. ثم لا بد من تتبع ثمار هذه المشاريع: إسرائيل القوية والدويلات الضعيفة. وأخيرًا، لا بد من استشراف السيناريو الأكثر خطورة على المحميات الخليجية: الانسحاب الأمريكي المفاجئ بعد تحقيق أهدافه، تاركًا حلفاءه يواجهون وحدهم تداعيات حرب لم تكن حربهم.
هذه الافتتاحية ليست مجرد مقدمة، بل هي المفتاح الذي يربط كل المحاور التالية في سردية واحدة: فما يحدث في العلاقة العربية – الإيرانية، وما يُروَّج من خطابات طائفية، وما يُمارس من ازدواجية في المعايير، ليس مجرد صراعات إقليمية عابرة. بل هو جزء من استراتيجية كبرى رسمتها واشنطن لتحقيق أهدافها في الصراع مع الصين. والدول العربية – للأسف الشديد – لم تكن يومًا صانعة قرارها في هذه المعادلة، بل كانت ولا تزال أداةً في يد المشروع الغربي – الإسرائيلي، تُستخدم حينًا لتأمين النفط، وحينًا آخر لتأجيج الصراعات المذهبية، وحينًا ثالثًا لتكون سوقًا للسلاح الأمريكي.
وهذا ليس وليد اليوم. فمنذ عقود، والأنظمة العربية تُسخَّر لخدمة الاستراتيجيات الغربية الكبرى. لنتذكر: عندما أرادت أمريكا محاربة الاتحاد السوفيتي، لم تكتفِ بالحلف العسكري المباشر، بل استخدمت الدين كسلاح. في أفغانستان، تم توظيف الإسلام السياسي، وتغذية الحركات الجهادية، وتصدير الفتاوى التي تشرع قتال "الملحدين الشيوعيين"، بمباركة أمريكية – سعودية – باكستانية، وبتمويل مباشر من وكالة المخابرات المركزية (CIA). تلك التجربة أنتجت "المجاهدين" الذين تحولوا لاحقًا إلى ما يُعرف اليوم بالحركات المتطرفة. الأنظمة العربية آنذاك لم تملك قرارها، بل كانت جزءًا من الماكينة التي حركتها واشنطن لضرب خصمها البارد.
واليوم، تتكرر اللعبة نفسها، لكن بوجه جديد. الخصم هذه المرة هو الصين، والأداة هي إيران وفنزويلا وروسيا، والأنظمة العربية تُستخدم مجددًا كحلقة في هذه السلسلة. فالحرب على إيران ليست بسبب برنامجها النووي كما يُروج، بل لأن إيران كانت أنبوب الوقود الأكبر للصين. والحرب في اليمن ليست لاستعادة الشرعية كما يُقال، بل لإطالة أمد الصراع وإضعاف محور المقاومة الذي يشكل جزءًا من شبكة المصالح الصينية. ودول الخليج، التي تزيد ميزانياتها الدفاعية مع كل انفجار، ليست سوى زبون دائم للصناعة العسكرية الأمريكية التي تُموِّل بها واشنطن حروبها الكبرى.
هذه القراءة تغير كل شيء. فالصراع العربي – الإيراني لم يعد صراعًا عربيًا – إيرانيًا بالمعنى التقليدي، بل أصبح ساحة من ساحات الحرب الأمريكية – الصينية. والأنظمة العربية، بكل ما تملك من ثروات وموارد، لم تكن سوى بيادق في هذه الحرب الكبرى، تارة تُستخدم لقطع الإمدادات عن الصين، وتارة تُستخدم لشراء السلاح الأمريكي، وتارة تُستخدم لإشغال إيران في جبهاتها الداخلية والإقليمية.
وعلى هذا الأساس، يمكننا فهم كل ما سنناقشه في المحاور التالية: لماذا تُضخَّم أخطاء إيران وتُمرَّر أخطاء الأنظمة العربية؟ لأن إيران هي المستهدف الأساسي في لعبة قطع الإمدادات عن الصين. لماذا يتم توظيف المذهبية كسلاح لتفكيك الأمة؟ لأن الأمة الموحدة تمثل تهديدًا للاستراتيجية الأمريكية – الإسرائيلية. ولماذا الدويلات العربية المتصارعة تعيش على المعونات والتبعية؟ لأن الضعف العربي هو الضمانة لاستمرار الهيمنة الغربية، ولأن القرار العربي الحقيقي ليس بيد العرب.
فهم هذه الحقيقة هو المدخل لفهم كل ما سيأتي.
المحور الأول: الإسلاموفوبيا – صناعة الخوف من الأمة
أولاً: من التحيز الثقافي إلى الصناعة السياسية
إذا كانت الاستراتيجية الأمريكية الكبرى تقوم على تفكيك أي مشروع وحدوي يهدد هيمنتها، فإن "الإسلاموفوبيا" تمثل الركيزة الثقافية والإعلامية لهذا التفكيك. لم تكن ظاهرة الإسلاموفوبيا مجرد تحيز ثقافي أو عنصرية عابرة، بل تحولت – وفق دراسات أكاديمية وتقارير استخباراتية – إلى صناعة سياسية وإعلامية تُنتج "العدو" بصور متجددة: مرة تحت عنوان "الإرهاب الإسلامي"، ومرة تحت عنوان "الخطر الشيعي"، ومرة تحت عنوان "التوسع الإيراني". الهدف واحد: تفكيك الأمة ومنع أي مشروع وحدوي يعيد ترتيب المنطقة، ويخدم الاستراتيجية الأمريكية في حربها مع الصين.
في دراسة موسعة عن "تجارة كراهية الإسلام" صدرت عن دار الإفتاء المصرية (2026)، توثق الدار كيف أصبح "الخوف من الإسلام والمسلمين صناعة مربحة في الغرب"، حيث "يتم تضخيم التهديد المفترض للإسلام كثقافة وسياسة، وتحويل أي خطأ سياسي لجهات إسلامية إلى دليل على خطر وجودي".
وتشير الدراسة إلى أن "الخوف من الإسلام هو أحد الأمراض الاجتماعية القليلة المتبقية في الغرب التي لا تزال مقبولة بل ومُكرَّمة كجزء من التحليل الأمني والاستراتيجي". بل إن هذه الصناعة باتت "تستقطب أموالاً طائلة من مؤسسات حكومية وخاصة، وتوظف خبراء وأكاديميين لصياغة روايات تحوِّل المسلمين إلى تهديد داخلي".
الربط مع الافتتاحية: هذه الصناعة ليست مجرد عنصرية، بل هي أداة استراتيجية تهدف إلى تجريم أي هوية إسلامية جامعة، ومن ثم منع أي مشروع وحدوي كان يمكن أن يشكل تحديًا للاستراتيجية الأمريكية في صراعها مع الصين. فالأمة الموحدة تعني محورًا قويًا قادرًا على حماية مصالحه، ومنع أمريكا من قطع أنابيب الطاقة عن الصين أو تعطيل طريق الحرير.
ثانياً: الداخل البريطاني نموذجًا – كيف أُضفيت الطابع المؤسسي على الإسلاموفوبيا؟
كشف تحقيق نشرته مجلة Hyphen في ديسمبر 2024 أن مؤسسة Policy Exchange البريطانية لعبت دورًا محوريًا منذ 2005 في صياغة روايات عن الإسلام والمسلمين في بريطانيا بوصفهم "تهديدًا داخليًا". التقرير يكشف أن "المؤسسة أعادت صياغة الإرهاب السياسي كمشكلة ثقافية لتبرير حلول أمنية شاملة، واقترحت إحياء تكتيكات الحرب الباردة لمراقبة 'المتطرفين غير العنيفين'، مما أدى إلى إضفاء الطابع المؤسسي على الإسلاموفوبيا في مؤسسات الدولة البريطانية".
هذه الآلية ليست حكرًا على بريطانيا، بل تمتد إلى مراكز بحثية وصناعات إعلامية في الولايات المتحدة وأوروبا، تعمل وفق أجندة واحدة: إنتاج خطاب يخلط بين الإسلام والسياسة، ويجعل من أي تعبير عن الهوية الإسلامية تهديدًا يستوجب المراقبة والتقييد.
ثالثاً: الجذور التاريخية – من "الخطر العثماني" إلى "الخطر الإسلامي"
الخوف الغربي من الإسلام ليس وليد القرن الحادي والعشرين، بل له جذور تمتد لقرون. يوثق المؤرخ التركي جميل أيدن في كتابه "The Idea of the Muslim World" أن "الدولة العثمانية أعلنت الجهاد ضد الحلفاء في الحرب العالمية الأولى، مما أثار ذعرًا غربيًا هائلًا. القيصر الألماني فيلهلم الثاني تحدث عن 'إثارة العالم المحمدي بأسره'، والجنرال هيلموت فون مولتك تحدث عن 'إيقاظ التعصب الإسلامي' كسلاح ضد الإنجليز والفرنسيين".
هذا الذعر التاريخي لم يختفِ، بل أعيد إنتاجه تحت عناوين معاصرة: الإرهاب الإسلامي، والتطرف، والتهديد الحضاري. بل إن الخطاب الغربي المعادي للإسلام يعيد إنتاج نفسه عبر قرون، حيث كانت تُصوَّر الدولة العثمانية كـ"تهديد للغرب المسيحي"، واليوم تُصوَّر إيران كـ"تهديد شيعي"، والأمر نفسه ينطبق على أي مشروع وحدوي إسلامي.
رابعاً: نموذج أفغانستان – عندما وظف الغرب الدين لتفكيك خصومه
قبل الخوض في المشاريع الغربية المعاصرة، لا بد من التوقف عند نموذج تاريخي بالغ الأهمية يربط مباشرة بما ورد في الافتتاحية حول توظيف الأنظمة العربية لخدمة الاستراتيجيات الغربية: توظيف الإسلام السياسي لمحاربة الاتحاد السوفيتي في أفغانستان. في الثمانينيات، وبالتعاون مع المخابرات الباكستانية (ISI) والسعودية، قامت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) بتسليح وتمويل "المجاهدين" الأفغان، وتبنت خطابًا دينيًا يحرض على جهاد "الملحدين الشيوعيين". الفتاوى التي صدرت في تلك الفترة، والمؤتمرات الإسلامية التي عُقدت لتعبئة المتطوعين، كلها كانت جزءًا من استراتيجية أمريكية – سعودية – باكستانية لاستخدام الدين كسلاح في الحرب الباردة.
هذه التجربة أنتجت "المجاهدين" الذين تحولوا لاحقًا إلى تنظيمات متطرفة (كالقاعدة وطالبان)، وتركت إرثًا من العنف الطائفي والجهادي لا تزال المنطقة تدفع ثمنه حتى اليوم. الأهم من ذلك، أن هذه التجربة أثبتت أن الغرب لا يتردد في توظيف الدين – أي دين – لتحقيق أهدافه الاستراتيجية، حتى لو كانت النتائج لاحقًا تنقلب ضده. وهذا النموذج يتكرر اليوم، لكن بأدوات مختلفة: فبدلاً من توظيف السنة ضد الشيوعيين، يتم توظيف التشيّع والإيرانية لتفكيك وحدة الأمة وإضعاف محور المقاومة.
الربط مع الافتتاحية: كما استخدمت أمريكا الأنظمة العربية (السعودية وباكستان) لتمويل وتصدير الجهاد الأفغاني ضد الاتحاد السوفيتي، كذلك تستخدم اليوم الأنظمة العربية (دول الخليج) لتمويل الحروب التي تستنزف إيران وتقطع إمداداتها عن الصين. النموذج يتكرر: أدوات عربية في خدمة استراتيجية أمريكية، ثم انسحاب أمريكي يترك المنطقة في حالة فوضى.
المحور الثاني: التشيّع – تحويل الخلاف الفقهي إلى صراع وجودي
أولاً: حقيقة الخلاف – خلاف فكري فلسفي، ليس خلافًا دينيًا جوهريًا
بعد أن أسسنا في المحور الأول كيف تستخدم أمريكا الإسلاموفوبيا كأداة لتفكيك الأمة، ننتقل إلى المشروع الثاني: تحويل الخلاف الفقهي بين السنة والشيعة إلى صراع وجودي. في جوهره المعرفي، الخلاف بين السنة والشيعة هو خلاف مذهبي فقهي وفلسفي، يتعلق بقضايا الإمامة والاجتهاد وبعض الأحكام الفرعية، وليس خلافًا في أصول الدين (كالتوحيد والنبوة والمعاد). المذهب الجعفري (الإثنا عشري) هو أحد المذاهب الفقهية المعتمدة في العالم الإسلامي، ويمثل مدرسة اجتهادية كبرى، مثلها مثل المذاهب السنية الأربعة.
التاريخ الإسلامي حافل بفترات من التلاقح الفكري والتعايش بين علماء المذاهب المختلفة. العلامة الشيخ محمد عبده والتقريب بين المذاهب، والشيخ محمود شلتوت شيخ الأزهر الأسبق الذي أصدر فتواه الشهيرة بالاعتراف بالمذهب الجعفري كمذهب خامس، كلها نماذج تؤكد أن الاختلاف المذهبي لا يفسد للود قضية.
ثانياً: كيف حوّل الغرب الخلاف الفقهي إلى صراع وجودي؟
يكشف الأمين العام لمجمع التقريب بين المذاهب الإسلامية، حجة الإسلام حميد شهرياري، في تصريحات متعددة عن "المشاريع الغربية الثلاثة ضد العالم الإسلامي: الإسلاموفوبيا (تصوير الإسلام كدين عنف)، والتشيع (خلق فجوة بين السنة والشيعة)، والإيرانية (تصوير إيران كخطر على جيرانها)".
ويؤكد شهرياري أن "هذه المشاريع تهدف إلى عزل المسلمين في العالم، وتفكيك الأمة، وإبعاد الأنظمة الإسلامية عن بعضها البعض". ويضيف أن "دبلوماسية العلماء والتقارب بين المذاهب هي التي ستُسقط هذه المشاريع الغربية".
ما نشهده اليوم من تعظيم للفجوة بين السنة والشيعة لم يأتِ نتيجة طبيعية للتعدد المذهبي، بل هو نتاج مشاريع سياسية – أمنية، بدأت مع صعود الثورة الإسلامية في إيران (1979)، وتصاعدت بعد الغزو الأميركي للعراق (2003)، وثورات الربيع العربي (2011). وجدت أنظمة عربية في "شيطنة الخطر الشيعي" وسيلة لتحصين شرعيتها الداخلية، ووجدت قوى إقليمية ودولية في تحويل الصراع إلى صراع مذهبي وسيلة لتفكيك محاور المقاومة وإضعاف الدولة الوطنية.
الربط مع الافتتاحية: هذا التوظيف المذهبي ليس منفصلاً عن الاستراتيجية الأمريكية الكبرى. فإبقاء المنطقة منشغلة بصراعات مذهبية يعني منعها من الاتحاد ضد المشروع الغربي – الإسرائيلي، كما يعني إبقاء إيران مشغولة في جبهات متعددة لا تسمح لها بتوجيه ضربات مركزية، وفي الوقت نفسه يضمن استمرار دول الخليج في شراء السلاح الأمريكي لمواجهة "الخطر الشيعي" المزعوم.
ثالثاً: المذهبية كسلاح لازدواجية المعايير
ما نشهده من تضخيم للأخطاء الإيرانية في سوريا والعراق، مقابل تغييب أفعال الأنظمة العربية، يعكس نجاح مشروع "التشيع" في تحويل النقد السياسي إلى حملة مذهبية. هذا الربط المتعمد بين النقد السياسي والمذهبية يستهدف إضفاء شرعية دينية على صراعات هي في جوهرها جيوسياسية.
في سوريا: النظام السوري نفسه – وهو عضو في الجامعة العربية – استخدم الطيران الحربي والبراميل المتفجرة والغازات السامة ضد مدنه، وارتكبت أجهزته الأمنية انتهاكات واسعة وثقها المحققون الدوليون. ومع ذلك، فإن العودة العربية إلى دمشق تمت دون شروط سياسية أو قانونية جوهرية.
في اليمن: التحالف العربي بقيادة السعودية والإمارات (بدعم أميركي – بريطاني) نفذ منذ 2015 آلاف الغارات الجوية استهدفت منشآت مدنية وأسواقًا وحفلات زفاف، وتسبب الحصار المفروض في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم. أكثر من 24 مليون شخص بحاجة للمساعدة، بحسب الأمم المتحدة. ورغم ذلك، فإن الخطاب الإعلامي العربي الرسمي صوَّر هذه الحرب على أنها "معركة ضد الحوثي" و"حماية للأمن القومي".
في العراق: إيران ليست وحدها المسؤولة عن الانتهاكات؛ فالنظام العراقي نفسه (الذي تدعمه واشنطن وطهران معًا) قمع المتظاهرين في 2019 بقناصة وضربات جوية، ما أدى إلى مئات القتلى، دون أن تُشن حملة إعلامية عربية منظمة ضده.
ورغم ذلك، يُقرأ خطأ إيران في سياق "مشروع شيعي توسعي"، بينما تُقرأ أفعال الأنظمة العربية في سياق "قومي عربي" أو "حربي ضد الإرهاب". هذه الازدواجية هي جوهر مشروع "التشيع" كأداة لتفكيك الأمة.
الربط مع الافتتاحية: هذه الازدواجية ليست عشوائية. فهي تخدم الهدف الأمريكي في تضخيم "التهديد الإيراني" لتبرير الوجود العسكري في المنطقة، وبيع السلاح لدول الخليج، وفي الوقت نفسه تمرير أفعال الأنظمة العربية التي تخدم الاستراتيجية الأمريكية (مثل الحرب في اليمن التي استنزفت إيران وحليفها الحوثي).
المحور الثالث: الإيرانية – صناعة العدو الموحِّد
أولاً: إيران – عدو الأنظمة وحليف الشعوب
بعد أن أسسنا كيف حوّل الغرب الخلاف الفقهي إلى صراع وجودي عبر مشروع "التشيع"، ننتقل إلى المشروع الثالث: صناعة إيران كعدو مطلق يهدد الأمن القومي العربي. لكن السؤال الذي يطرحه الواقع هو: لماذا تقف الشعوب العربية مع إيران في مقابل أنظمتها الرسمية؟
الإجابة تكمن في أن الشعوب تنظر إلى الصراع الإقليمي عبر عدسة "الممانعة" و"السيادة"، لا عبر عدسة "النفوذ المذهبي" أو "التنافس القومي" التي تسوقها الأنظمة. والشعوب تدرك – بوعي أو بغير وعي – أن إيران هي اليوم إحدى الساحات الرئيسية في الحرب الأمريكية – الصينية، وأن ما يحدث لها هو جزء من استراتيجية أكبر تهدف إلى قطع الإمدادات عن الصين وإضعاف محور المقاومة.
منذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003، ثم ثورات الربيع العربي 2011، رسخت إيران موقعها كداعم لجماعات مسلحة وفصائل سياسية تقدم نفسها في سياق "المقاومة" ضد الهيمنة الغربية والإسرائيلية. الشعوب العربية، التي خذلتها أنظمتها في ملفات السيادة والكرامة، وجدت في إيران نموذجًا مختلفًا: دولة تمتلك قرارًا مستقلاً، تدفع ثمن دعم حلفائها، وتواجه الهيمنة الغربية دون تردد، حتى لو كلفها ذلك عقوبات وعزلة.
في سياق التطبيع المتسارع بين بعض الأنظمة العربية وإسرائيل، بات دعم إيران لحماس والجهاد الإسلامي وحزب الله – رغم الاختلافات السياسية أحيانًا – عامل جذب شعبي.
الربط مع الافتتاحية: هذا التناقض بين موقف الشعوب والأنظمة هو أحد ثمار المشروع الغربي لتفكيك الأمة. فالأنظمة العربية، المربوطة بالاستراتيجية الأمريكية، مضطرة للعداء مع إيران حتى لو كان هذا العداء لا يعكس إرادة شعوبها. أما الشعوب، التي تدفع ثمن هذا العداء (اقتصاديًا، أمنيًا، سياسيًا)، تدرك أن إيران ليست العدو الحقيقي، بل أن العدو هو المشروع الغربي – الإسرائيلي الذي تستخدم فيه الأنظمة العربية كأدوات.
ثانياً: قراءة غربية في "التهديد الإيراني"
تقدم دراسة صادرة عن مؤسسة الهند للأبحاث (India Foundation) في يناير 2026 تحليلاً لافتًا، حيث تشير إلى أن "التحالفات الإسلامية المعلنة – كالاتفاقية السعودية – الباكستانية – التركية – تعكس قلقًا جماعيًا وليس قوة جماعية، وتكشف عن الانقسامات الأيديولوجية العميقة داخل العالم الإسلامي، لا عن وحدته".
وتضيف الدراسة أن هذه التحالفات "ليست كتلة مناهضة لإسرائيل ولا تحالفًا موثوقًا به ضد إيران"، بل هي مجرد "تحوط استراتيجي ناتج عن عدم اليقين في ظل تراجع الالتزام الأميركي بالمنطقة". هذا التحليل الغربي يؤكد أن المشكلة ليست في نقد الأخطاء الإيرانية، بل في تغليب نقد إيران على نقد الأفعال العربية المماثلة.
ثالثاً: لماذا تُضخَّم أخطاء إيران؟
الإجابة تكمن في أن تضخيم أخطاء إيران يخدم مشروعين متوازيين:
· المشروع الغربي: تأطير إيران كـ"تهديد وجودي" لتبرير الحضور العسكري الغربي في المنطقة، وضرب أي تحالف إقليمي مستقل، ومنع ظهور أي قطب إقليمي قادر على تحدي الهيمنة، وفي القلب منها الحرب على الصين عبر قطع أنابيب الطاقة.
المشروع العربي الرسمي: تحويل الصراع مع إيران من صراع مصالح إلى صراع هويات (عربي – فارسي، سني – شيعي)، لحشد تأييد داخلي وإقليمي، وتغطية الفشل في تقديم نموذج ناجح للدولة والتنمية.
الربط مع الافتتاحية: هذا التضخيم هو الذي يسمح لأمريكا بتحقيق هدفها الاستراتيجي: قطع إمدادات الطاقة عن الصين تحت غطاء "مواجهة الخطر الإيراني"، وفي الوقت نفسه إبقاء دول الخليج في حالة خوف دائم يدفعها لشراء المزيد من السلاح الأمريكي.
المحور الرابع: ثمار التفكيك – إسرائيل القوية والدويلات الضعيفة
إذا كانت المشاريع الغربية الثلاثة – الإسلاموفوبيا، والتشيّع، والإيرانية – قد نجحت في تفكيك وحدة الأمة وإشغالها بصراعاتها الداخلية، فإن الثمرة الأكثر وضوحًا لهذا التفكيك هي تحقيق المعادلة الجيوسياسية التي صُممت من أجلها أصلاً: إسرائيل كدولة قوية مهيمنة، مقابل دويلات عربية وإسلامية متصارعة ضعيفة، لا تستطيع البقاء إلا تحت المظلة الأمنية والاقتصادية الغربية.
الربط مع الافتتاحية: هذا هو الهدف النهائي للاستراتيجية الأمريكية. فإسرائيل القوية هي الضمانة لاستمرار النفوذ الغربي في المنطقة، وهي الحليف الذي يساند أمريكا في مواجهة الصين (عبر الاستخبارات والتكنولوجيا والضغط الإقليمي). والدويلات العربية الضعيفة هي الضمانة لعدم ظهور أي قطب إقليمي قادر على تحدي الهيمنة الأمريكية أو قطع إمدادات الطاقة عن الصين.
أولاً: التفكيك كشرط مسبق لقيام إسرائيل القوية
لم تكن إسرائيل لتصل إلى مكانتها الحالية – كقوة إقليمية مسلحة نوويًا، مدعومة أميركيًا بلا حدود، ومطبَّع معها أنظمة عربية كبرى – لولا حالة التفكيك التي أصابت الأمة. يمكن تتبع هذه العلاقة السببية عبر ثلاث محطات تاريخية:
1. مرحلة التأسيس (1948): قامت إسرائيل على أنقاض الانقسام العربي. الجيوش العربية التي دخلت فلسطين عام 1948 كانت تعمل بشكل منفصل، بلا قيادة موحدة، وبلا استراتيجية مشتركة. تقارير المخابرات البريطانية آنذاك أكدت أن "الانقسامات بين الدول العربية هي الضمان الحقيقي لبقاء إسرائيل، وليس التفوق العسكري الإسرائيلي".
2. مرحلة التمكين (1967-1973): الهزيمة في حرب 1967 كانت نتيجة مباشرة للانقسامات العربية، والصراعات الداخلية (كمصر والسعودية في اليمن). حتى في حرب 1973 التي حققت إنجازات عسكرية، كانت الجبهات العربية (مصر وسوريا والأردن) تعمل بتنسيق محدود، دون غطاء عربي وإسلامي شامل. إسرائيل استفادت من هذا الانقسام لتعزيز قوتها النووية وبناء جيشها ليصبح الأقوى في المنطقة.
3. مرحلة الهيمنة (من 1979 حتى اليوم): الثورة الإسلامية في إيران، التي كان يمكن أن تشكل نقطة تحول نحو مشروع مقاوم موحد، قوبلت بحرب غربية – عربية – إسرائيلية غير معلنة (الحرب العراقية – الإيرانية 1980-1988) بهدف إضعاف الطرفين. هذا الصراع أطال أمد تفكيك الأمة، وفتح الباب أمام إسرائيل لتنفيذ مشاريعها: اغتيال العلماء النوويين، ضرب المفاعل العراقي، توسيع المستوطنات، وصولاً إلى التطبيع مع أنظمة عربية كبرى.
ثانياً: الدويلات المتصارعة – نموذج التفكيك النهائي
ما نراه اليوم في المنطقة العربية ليس مجرد دول وطنية تعاني من أزمات، بل هو دويلات متصارعة – في ليبيا، اليمن، السودان، الصومال، وحتى في سوريا والعراق – تحمل اسم دول ولكنها تفتقر إلى مقومات الدولة الحقيقية: السيادة على الأرض، الجيش الوطني الموحد، القرار السياسي المستقل.
هذه الدويلات تتشارك في سمات مشتركة:
· الاعتماد على القوة الغربية للبقاء: القواعد العسكرية الأميركية والفرنسية والبريطانية في المنطقة لم تأتِ لحماية هذه الدول من أعداء خارجيين، بل لحماية الأنظمة داخليًا، ولضمان استمرار تبعيتها.
· العيش على المعونات: أغلب هذه الدول لا تملك اقتصادًا منتجًا قادرًا على الاستمرار، وتعتمد على المساعدات الدولية (الأميركية والأوروبية والخليجية) التي تأتي بشروط سياسية تكرس التبعية.
· الصراع الداخلي كوسيلة للبقاء: في غياب المشروع الوطني الجامع، أصبح الصراع المذهبي والقبلي والإقليمي هو الآلية التي تحرك السياسة، مما يسهل على القوى الخارجية استمرار النفوذ عبر لعبة "فرق تسد".
الربط مع الافتتاحية: هذه الدويلات الضعيفة هي النتيجة المباشرة لاستراتيجية التفكيك الغربية. فدول الخليج، التي كانت يومًا قادرة على لعب دور إقليمي، أصبحت اليوم "محميات" تنتظر من يحميها. وهذا الضعف هو الذي يسمح لأمريكا بقطع إمدادات الطاقة عن الصين عبر المنطقة، دون خوف من ردع عربي موحد.
المحور الخامس: سيناريو الانسحاب الأمريكي – إعادة تعريف الانتصار وتداعياته على المحميات الخليجية
إذا كانت الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة تهدف إلى استخدام الدول العربية – وخاصة دول الخليج – كأدوات في صراعها مع الصين، فإن السؤال الحاسم الذي يجب طرحه هو: ماذا لو انسحبت أمريكا فجأة من هذه المعادلة؟ ليس بمعنى الهزيمة العسكرية، بل بمعنى إعادة تعريف "الانتصار" من وجهة نظرها، وتحقيق أهدافها الاستراتيجية ثم الانسحاب تاركة حلفاءها يواجهون تداعيات حرب لم تكن حربهم.
الربط مع الافتتاحية: هذا السيناريو هو الذي بدأت بوادره تظهر مع الانسحاب الأمريكي الجزئي من اليمن عام 2020. وهو السيناريو الذي تخشاه دول الخليج أكثر من أي شيء آخر: أن تترك وحدها لمواجهة إيران المتماسكة رغم الجراح.
أولاً: سابقة ترامب في اليمن – عندما تُترك الشريكة وحيدة
قبل الغوص في التحليل الاستشرافي، لا بد من التوقف عند سابقة حدثت بالفعل وقدمت نموذجًا حيًا لهذا السيناريو. في عام 2020، ومع انتهاء ولاية الرئيس دونالد ترامب الأولى، شهدت الساحة اليمنية تحولًا دراماتيكيًا. فبعد سنوات من الدعم العسكري واللوجستي والاستخباراتي للتحالف العربي في حربه ضد الحوثيين، بدأت الولايات المتحدة في سحب قواتها وقدراتها الاستخباراتية من المسرح اليمني، تاركة حلفاءها – وفي مقدمتهم السعودية والإمارات – في مواجهة ميدانية صعبة.
ما حدث في اليمن كان درسًا قاسيًا لدول الخليج: أن أمريكا قد تترك حلفاءها في لحظة تحقق فيها أهدافها، أو حتى قبل ذلك إذا تغيرت حساباتها الاستراتيجية. فالحرب في اليمن، التي كانت جزءًا من استراتيجية أمريكية أوسع لإضعاف إيران ومحور المقاومة، لم تكن يومًا "حربًا أمريكية" بالمعنى المباشر. وعندما رأت واشنطن أن استمرار التورط في اليمن قد يعيق أهدافها الكبرى (خاصة في ظل التصعيد مع الصين)، لم تتردد في سحب قواتها، تاركة حلفاءها يواجهون وحدهم تداعيات القرارات التي شاركت في صنعها.
هذه السابقة ليست مجرد حدث منعزل، بل هي مؤشر على نمط سلوكي أمريكي يتكرر: الاستخدام ثم التخلي، والتوظيف ثم الانسحاب. وقد عبر عن هذه الفلسفة بوضوح الرئيس ترامب نفسه في أكثر من مناسبة، عندما تحدث عن أن دول الخليج "يجب أن تدافع عن نفسها"، وأن أمريكا "ليست شرطي العالم". هذه التصريحات، التي بدت في حينها مجرد خطاب انتخابي، كشفت عن تحول جوهري في النظرة الأمريكية لدورها في المنطقة: من "حامي" إلى "مستفيد" ينسحب عندما لا تعود المصالح تستدعي البقاء.
ثانياً: إعادة تعريف الانتصار – متى تنسحب أمريكا؟
لفهم متى قد تنسحب أمريكا من معادلات المنطقة، لا بد من فهم كيفية تعريفها "للانتصار" في صراعها مع إيران ومحور المقاومة. من وجهة النظر الأمريكية، الانتصار لا يعني بالضرورة القضاء على النظام الإيراني أو تغييره بالقوة، بل قد يعني تحقيق أهداف محددة، أبرزها:
1. قطع خطوط الإمداد عن الصين: وهو ما تحقق جزئيًا عبر استهداف إيران وفنزويلا، وتقييد روسيا بالعقوبات، وإبقاء المنطقة في حالة عدم استقرار تمنع تدفق النفط والغاز بشكل طبيعي إلى الأسواق الصينية.
2. تعطيل طريق الحرير: وهو ما تحقق عبر زعزعة استقرار إيران التي تمثل نقطة وصل حيوية في الممر البري الصيني إلى أوروبا.
3. إضعاف إيران عسكريًا واقتصاديًا: حتى لو لم يتم القضاء على النظام، فإن إبقاء إيران في حالة حرب استنزاف (عبر جبهات متعددة في سوريا والعراق واليمن ولبنان) يحقق الهدف الأمريكي في منعها من أن تصبح قوة إقليمية مهيمنة.
4. استنزاف قدرات حلفاء إيران الإقليميين: سواء في لبنان أو اليمن أو العراق أو سوريا، فإن استمرار النزاعات يخدم الهدف الأمريكي في إبقاء محور المقاومة مشغولاً بجبهات متعددة، غير قادر على توجيه ضربات مركزية.
عندما تتحقق هذه الأهداف – أو حتى عندما تقترب من التحقق – قد ترى واشنطن أن دورها قد انتهى، وأن الوقت قد حان للانسحاب والتركيز على الجبهة الرئيسية في آسيا (تايوان وبحر الصين الجنوبي). وهذا ما حدث بالضبط في اليمن، حيث تراجعت الأولوية الأمريكية بعد تحقيق أهداف محددة (إضعاف الحوثيين، إشغال إيران، اختبار قدرات التحالف العربي).
ثالثاً: النظام الإيراني المتماسك رغم الجراح – الفرضية الأكثر ترجيحًا
في السيناريوهات التي تدرسها مراكز الأبحاث الغربية، هناك إجماع متزايد على أن النظام الإيراني، رغم كل الضربات التي تلقاها، أثبت قدرة فائقة على الصمود والتماسك. هذا الاستنتاج يستند إلى عدة عوامل:
· تجربة الحرب العراقية – الإيرانية (1980-1988): حيث صمد النظام رغم حرب استنزاف استمرت ثماني سنوات، وبدعم دولي واسع للعراق آنذاك.
· البنية المؤسسية العميقة: النظام الإيراني لا يقوم على فرد واحد، بل على شبكة معقدة من المؤسسات (الحرس الثوري، المؤسسة الدينية، المجمعات الصناعية العسكرية) التي تمنحه قدرة على استيعاب الصدمات.
· الدعم الشعبي النسبي: رغم الانتقادات الداخلية، يتمتع النظام بقاعدة شعبية صلبة، خاصة في أوساط الفئات المحرومة التي استفادت من شبكات الدعم الاجتماعي التي أقامتها الدولة.
· المرونة الجيوسياسية: إيران أثبتت قدرتها على إدارة الصراع دون الدخول في مواجهة مباشرة، عبر توظيف حلفائها الإقليميين (حزب الله، الحوثيون، الفصائل العراقية) لإدارة الصراع بالوكالة.
هذه العوامل تعني أن السيناريو الأكثر ترجيحًا – من وجهة نظر الاستراتيجيين الغربيين – ليس انهيار النظام الإيراني، بل استمراره في حالة من الضعف المُدار، حيث يكون قادرًا على البقاء ولكن غير قادر على تحقيق أهدافه الإقليمية الكبرى. وفي هذه الحالة، قد ترى واشنطن أن أهدافها قد تحققت، وأن الوقت قد حان للانسحاب والتركيز على الجبهات الأخرى.
الربط مع الافتتاحية: هذا السيناريو هو الأسوأ لدول الخليج. فهي ستجد نفسها في مواجهة نظام إيراني متماسك (وإن كان ضعيفًا)، بعد أن استنزفت مواردها في حروب بالوكالة لم تكن حروبها، وبعد أن انسحب الحامي الأمريكي تاركًا إياها تواجه وحدها تداعيات الحرب.
رابعاً: المحميات الخليجية – وضع لا تحسد عليه
إذا تحقق هذا السيناريو – انسحاب أمريكي مفاجئ أو تدريجي بعد تحقيق أهدافها، واستمرار نظام إيراني متماسك رغم الجراح – فإن دول الخليج العربي ستجد نفسها في وضع بالغ الخطورة، يمكن تلخيصه في النقاط التالية:
1. المظلة الأمنية الأمريكية تتبخر: لعقود، اعتمدت دول الخليج على الوجود العسكري الأمريكي المباشر (قواعد، أساطيل، اتفاقيات دفاع مشترك) كضمانة أساسية لأمنها. إذا انسحبت أمريكا، فإن هذه المظلة ستتبخر بين عشية وضحاها، تاركة هذه الدول تواجه محيطًا إقليميًا مضطربًا دون غطاء حقيقي.
2. اقتصاد الريع والسلاح يواجه أزمة: النموذج الاقتصادي الخليجي، القائم على تصدير النفط واستيراد السلاح والأمن من الغرب، سيواجه أزمة وجودية. فإذا انسحبت أمريكا، فإن المعادلة التي تقول "أمن مقابل نفط" ستنهار، ولن تجد دول الخليج من يوفر لها نفس مستوى الحماية.
3. النزاعات الداخلية والخارجية تتفجر: دول الخليج تعاني من هشاشة داخلية (تنوع طائفي وقبلي، غياب المشاركة السياسية الحقيقية، تركز الثروة، أزمات هوية). في ظل غياب المظلة الأمريكية، قد تتفجر هذه النزاعات، وقد تجد كل دولة نفسها مضطرة للتعامل مع جيرانها (إيران، تركيا، إسرائيل) من موقع ضعف.
4. إسرائيل – شريك يبحث عن ملاذ جديد: إذا انسحبت أمريكا، فإن إسرائيل أيضًا ستجد نفسها في وضع صعب. وفي هذه الحالة، قد تسعى إسرائيل إلى تعزيز تحالفاتها مع دول الخليج ليس كـ"حليف قوي" بل كـ"حلفاء ضعفاء يتشاركون الخوف". وهذا يعني أن دول الخليج قد تجد نفسها مضطرة للدخول في تحالفات أعمق مع إسرائيل، مما يزيد تعقيد موقفها الإقليمي ويجعلها هدفًا أسهل لمحور المقاومة.
5. إيران المتماسكة تفرض شروطها: في ظل غياب المظلة الأمريكية، ووجود نظام إيراني متماسك رغم الجراح، ستجد دول الخليج نفسها أمام خيارين: إما الدخول في تسوية مع إيران من موقع ضعف، أو المواجهة منفردة. وكلا الخيارين مكلف.
خامساً: الدروس المستفادة من السابقة اليمنية
ما حدث في اليمن بعد الانسحاب الأمريكي الجزئي عام 2020 يقدم دروسًا مهمة لدول الخليج:
الدرس الأول: أمريكا تترك حلفاءها عندما لا تعود مصالحها المباشرة تتطلب البقاء. فبعد أن استنزفت إيران في اليمن، واختبرت قدرات التحالف العربي، وقطعت خطوط الإمداد عبر البحر الأحمر جزئيًا، رأت واشنطن أن المهمة قد أنجزت، وانسحبت تاركة السعودية والإمارات تواجهان حرب استنزاف طويلة.
الدرس الثاني: "النصر" الأمريكي لا يعني بالضرورة "نصر" حلفاءها. فمن وجهة نظر واشنطن، النصر في اليمن كان يعني إبقاء الصراع مشتعلًا، وإشغال إيران، واختبار قدرات التحالف العربي. أما بالنسبة للسعودية والإمارات، فالنصر كان يعني إنهاء الحرب واستعادة السيطرة على اليمن. هذا التباين في تعريف "النصر" هو الذي أدى إلى الانسحاب الأمريكي قبل تحقيق الأهداف الخليجية.
الدرس الثالث: الاعتماد على الحماية الأمريكية يخلق تبعية، والتبعية تتحول إلى عبء في لحظة الانسحاب. فدول الخليج، التي اعتمدت لعقود على أمريكا في أمنها، لم تبنِ قدراتها الدفاعية الذاتية بشكل كافٍ، ولم تطور علاقات إقليمية متوازنة، مما جعلها في وضع صعب بعد الانسحاب.
الربط مع الافتتاحية: هذه الدروس تؤكد ما ورد في الافتتاحية من أن الأنظمة العربية لا تملك قرارها، وأنها مجرد أدوات في استراتيجيات القوى الكبرى. فإذا لم تتعلم دول الخليج من سابقة اليمن، فقد تجد نفسها في موقف أسوأ عندما تقرر أمريكا الانسحاب الكامل من المنطقة.
المحور السادس: الاستشراف – لو كان العالم الإسلامي موحدًا
بعد أن حللنا المشاريع الغربية الثلاثة لتفكيك الأمة، وتتبعنا ثمار هذا التفكيك (إسرائيل القوية والدويلات الضعيفة)، واستشرافنا سيناريو الانسحاب الأمريكي وتداعياته على المحميات الخليجية، نصل إلى السؤال الاستشرافي: لو كان العالم الإسلامي موحدًا – سياسيًا وعسكريًا، ومتكاملًا اقتصاديًا وعلميًا – هل كان يمكن أن يحدث كل هذا؟
الربط مع الافتتاحية: هذا السؤال هو الذي تفرضه الافتتاحية. فإذا كانت أمريكا تستهدف تفكيك الأمة لتمكين إسرائيل وقطع إمدادات الصين، فإن الوحدة الإسلامية هي التي تمثل التهديد الحقيقي لهذه الاستراتيجية. ولذلك، فإن كل ما تفعله أمريكا وحلفاءها هو منع هذه الوحدة.
أولاً: المخاوف الغربية من "التحالف الإسلامي"
في تحليل استشرافي بعنوان "Between Anxiety and Strategy: The Fragile Logic of an Islamic Defence Pact" (يناير 2026)، يؤكد الباحث سومير بهاسين أن "التحالفات الإسلامية الناشئة تثير قلقًا عميقًا في الغرب، ليس لأنها قوية، بل لأنها تعكس تحولًا في ولاءات المنطقة بعيدًا عن الاعتماد على الولايات المتحدة".
ويضيف: "من منظور بكين، يُنظر إلى التحالف الإسلامي بتشكك حذر. المخاوف الصينية بشأن الأويغور – وهم عرقياً ولغوياً أتراك – تجعلها حذرة من الشبكات الإسلامية العابرة للحدود المرتبطة بتركيا أو باكستان". هذا يعني أن أي مشروع وحدوي إسلامي سيواجه مقاومة ليس فقط من الغرب، بل من القوى الكبرى الأخرى التي ترى في الوحدة الإسلامية تهديدًا لمصالحها.
ثانياً: التكامل الاقتصادي والعلمي والتكنولوجي – عصب المشروع الموحد
لو تحقق مشروع الوحدة الإسلامية، فإن التكامل الاقتصادي والعلمي سيكون الركيزة المادية والفعلية له. العالم الإسلامي يمتلك مقومات هائلة: ثروات طاقة (نفط وغاز) تشكل نسبة كبيرة من الاحتياطي العالمي، وموقع جغرافي يتحكم في أهم الممرات البحرية (مضيق هرمز، باب المندب، قناة السويس، مضيق جبل طارق)، وسوق استهلاكية كبيرة تضم أكثر من 1.8 مليار نسمة، وموارد بشرية شابة.
في عالم إسلامي موحد، يمكن تحقيق:
· منطقة تجارة حرة إسلامية كبرى تقلل التبعية للأسواق الغربية.
· تكامل الطاقة والبنية التحتية يجعل الكتلة الإسلامية كيانًا متماسكًا.
· الاستقلال العلمي والتكنولوجي يكسر الاحتكار التكنولوجي الغربي.
· سلاح المقاطعة الفعال يحول المقاطعة من سلاح أخلاقي إلى سلاح اقتصادي ضاغط.
· إنهاء هدر الموارد التي تذهب هباءً في ظل الانقسام.
ثالثاً: لو كان العالم الإسلامي موحدًا.. هل تبقى فلسطين وسبتة ومليلية محتلتين؟
لو كان العالم الإسلامي موحدًا – سياسيًا وعسكريًا، ومتكاملًا اقتصاديًا وعلميًا – لما بقي الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين والجولان، ولا الاحتلال الإسباني لسبتة ومليلية، ولا أي أرض إسلامية تحت الاحتلال.
ليس لأن الوحدة تصنع المعجزات، بل لأن الاحتلال يقوم على استغلال الانقسام، واستمراره رهين بضعف الطرف المقابل وتشتت إمكاناته. تجربة تحرير الجنوب اللبناني عام 2000، ورفع الحصار عن غزة في بعض المراحل، أثبتت أن المقاومة المحلية قادرة على إنهاك الاحتلال، لكنها لا تستطيع بمفردها تحقيق تحرير شامل دون سند إقليمي موحد.
الربط مع الافتتاحية: هذه الرؤية الاستشرافية تقدم البديل الحقيقي للمشاريع الغربية الثلاثة. فإذا كانت أمريكا تعمل على تفكيك الأمة، فإن الطريق إلى الخروج من هذا المأزق هو إعادة بناء الوحدة. وإذا كانت الأنظمة العربية لا تملك قرارها، فإن الشعوب العربية مطالبة ببناء مشروعها الخاص.
الخاتمة العامة: تفكيك المشاريع الثلاثة هو الطريق إلى الوحدة والاستقلال
ما تكشفه هذه القراءة التحليلية، التي بدأناها بافتتاحية رسمت خريطة الصراع الحقيقي بين أمريكا والصين، ثم تتبعنا من خلالها المشاريع الغربية الثلاثة (الإسلاموفوبيا، والتشيّع، والإيرانية) التي صُممت لتفكيك الأمة، ثم حللنا ثمار هذا التفكيك (إسرائيل القوية والدويلات الضعيفة)، ثم استشرافنا سيناريو الانسحاب الأمريكي وتداعياته على المحميات الخليجية، وأخيرًا رسمنا صورة بديلة للوحدة الإسلامية – كل هذا يكشف أن الإسلاموفوبيا، والتشيّع، والإيرانية ليست مجرد ظواهر عابرة أو ردود فعل على أحداث، بل هي مشاريع غربية – إسرائيلية منظمة لتفكيك وحدة المسلمين، وقد أثمرت هذه المشاريع عن النتيجة المرجوة: إسرائيل كدولة قوية مهيمنة، ودويلات عربية وإسلامية متصارعة ضعيفة، تعتمد على المعونات والقوة الغربية للبقاء.
هذه المشاريع تعمل بتناغم:
· الإسلاموفوبيا تصنع الخوف من الإسلام ككل، وتجرم أي تعبير عن الهوية الإسلامية الجامعة.
· التشيّع تحوّل الخلاف الفقهي إلى صراع وجودي بين أبناء الأمة الواحدة.
· الإيرانية تصنع عدوًا موحّدًا لتشتيت الأنظار عن المشروع الاستعماري الحقيقي.
الغرب وإسرائيل اللذان يروّجان لهذه المشاريع ليسا خائفين من أخطاء إيران المعزولة، بل من ذلك اليوم الذي تدرك فيه الأمة الإسلامية أن وحدتها هي الطريق الوحيد لاستعادة مكانتها وكرامتها. تفكيك هذه المشاريع يبدأ من:
1. فصل الخلاف السياسي عن الخلاف المذهبي – التنافس على النفوذ بين دول إقليمية لا يصح أن يتحول إلى عداء ديني.
2. الاعتراف بالمذهب الجعفري كمذهب خامس للمسلمين – لإعادة الاعتبار للتعددية المذهبية كثراء حضاري.
3. بناء مشروع تكامل اقتصادي وعلمي إسلامي – لتحويل الإمكانات الهائلة إلى قوة فاعلة.
4. توحيد الموقف تجاه قضايا الأمة المصيرية – فلسطين، القدس، سبتة ومليلية.
5. تفكيك التبعية الاقتصادية والعسكرية للغرب – لاستعادة الاستقلال الوطني الحقيقي.
وختامًا: لو كان العالم الإسلامي موحدًا – سياسيًا وعسكريًا، ومتكاملًا اقتصاديًا وعلميًا – لما بقي الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين والجولان، ولا الاحتلال الإسباني لسبتة ومليلية، ولا أي أرض إسلامية تحت الاحتلال. والغرب وإسرائيل اللذان يروّجان لخطابات الفرقة والتشويه ليسا خائفين من أخطاء إيران المعزولة، بل من ذلك اليوم الذي تدرك فيه الأمة الإسلامية أن وحدتها هي الطريق الوحيد لاستعادة مكانتها وكرامتها.
دول الخليج العربي، التي تقف اليوم على مفترق طرق مصيري، أمامها فرصة تاريخية لإعادة تعريف دورها: إما أن تبقى "محميات" تنتظر من ينقذها، أو أن تتحول إلى دول فاعلة تساهم في بناء مشروع إقليمي قوي قادر على مواجهة التحديات وصناعة المستقبل. فالدروس المستفادة من اليمن، ومن تاريخ توظيف الأنظمة العربية لخدمة استراتيجيات القوى الكبرى، تؤكد أن الطريق الوحيد للخلاص هو بناء القدرات الذاتية، وتنويع التحالفات، واستعادة القرار الوطني المستقل.
إن استمرار الانقسام والاستقطاب المذهبي ليس خدمة لأي طرف إقليمي، بل هو خدمة للمشاريع التي تراهن على تفكيك المنطقة وتقسيمها. الوحدة التي تغيب اليوم هي وحدها القادرة على قلب المعادلات وإعادة رسم خريطة النفوذ في المنطقة لصالح شعوبها وكرامتها.
---
هوامش ومصادر (مختارة):
1. دار الإفتاء المصرية، "The Lucrative Business of Islam-hating"، 2026
2. Hyphen Magazine, "Policy Exchange told the Tories that Muslims were a threat"، December 2024
3. Cemil Aydin, "The Idea of the Muslim World"، Harvard University Press, 2017
4. تصريحات الأمين العام لمجمع التقريب بين المذاهب الإسلامية، وكالة تقريب نيوز، 2022-2024
5. Sumeer Bhasin, "Between Anxiety and Strategy: The Fragile Logic of an Islamic Defence Pact", India Foundation, January 2026
6. مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، تقارير حول مستقبل الشرق الأوسط، 2023-2025
7. البنك الدولي، تقارير حول الاقتصادات العربية والتبعية، 2024
8. Ray Dalio, "The Changing World Order: Why Nations Succeed and Fail"، 2021
9. تقارير إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA) حول واردات النفط الصينية، 2023-2025
10. مؤسسة راند، دراسات حول الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط، 2020-2025
11. تقارير أممية حول الأزمة الإنسانية في اليمن، 2020-2025
12. مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية، تحليلات حول العلاقات العربية – الإسرائيلية، 2023-2025










