تتصاعد وتيرة التطهير العرقي في مناطق جنوب الخليل بشكل غير مسبوق، حيث نفذت قوات الاحتلال الإسرائيلي صباح اليوم الاثنين سلسلة عمليات هدم واسعة استهدفت منشآت سكنية وزراعية في بادية يطا، في خطوة تأتي ضمن مخطط ممنهج لتفريغ الأرض من سكانها الأصليين.
إن هذه الاعتداءات التي تتزامن مع هجمات مسلحة للمستوطنين لا تمثل مجرد إجراءات إدارية، بل هي جزء من استراتيجية "البيئة القسرية" التي تهدف إلى جعل حياة الفلسطينيين في تلك المناطق مستحيلة، مما يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لمواجهة سياسات التهجير القسري التي تخالف صراحة كافة المواثيق والأعراف الدولية والقانون الدولي الإنساني الذي يحظر تدمير الممتلكات المدنية في الأراضي المحتلة.
استهداف واد الجرفان: عائلات بلا مأوى تحت ركام المنازل
في مشهد يعكس قسوة الاحتلال، اقتحمت القوات العسكرية منطقة واد الجرفان المحاذية لقرية أم قصة، مدعومة بجرافات وآليات ثقيلة، حيث باشرت بتدمير مساكن ومنشآت تعود لعائلة المواطن سلامة علي سلامة الأتيمين.
وقد طالت عمليات الهدم مسكنين من الصفيح وغرفة مبنية من الطوب كانت تؤوي 18 فرداً، غالبيتهم من الأطفال والنساء، الذين باتوا يواجهون العراء في ظل ظروف مناخية وجغرافية صعبة. ولم تكتفِ قوات الاحتلال بهدم المساكن، بل استهدفت أيضاً حظائر الأغنام التي تمثل المصدر الوحيد لرزق هذه العائلات، مما يؤكد أن الهدف من هذه العمليات هو تحطيم الركائز الاقتصادية والاجتماعية للوجود الفلسطيني في البادية، وتحويل المنطقة إلى ساحة مفتوحة للتوسع الاستيطاني المستقبلي.
إرهاب المستوطنين في مسافر يطا: تكامل الأدوار مع جيش الاحتلال
بالتوازي مع آليات الهدم، شهدت منطقة "الركيز" بمسافر يطا اعتداءات دموية نفذها مستوطنون مسلحون استهدفوا المزارعين ورعاة الأغنام العزل. وقد أفاد شهود عيان بأن المستوطنين اعتدوا بالضرب المبرح على المواطنين، مما أسفر عن إصابة الشاب محمد يحيى أبو عرام (35 عاماً) بحالة اختناق شديدة بعد رشه بغاز الفلفل بشكل مباشر في وجهه.
هذا التصعيد الميداني يعكس حالة من الانفلات المنظم التي يقودها المستوطنون تحت حماية جيش الاحتلال، حيث تحولت هذه العصابات إلى أداة تنفيذية إضافية لمضايقة الرعاة ومنعهم من الوصول إلى مراعيهم، في محاولة لفرض سيطرة أمر واقع على المساحات الشاسعة من أراضي مسافر يطا وبادية جنوب الخليل.
ملاحقة الرعاة في واد أبو شبان: القمع بالغاز والرصاص
لم تتوقف الاعتداءات عند الهدم والضرب، بل امتدت لتشمل ملاحقة رعاة الأغنام من عائلة عليان عوض في منطقة واد أبو شبان، حيث هاجم المستوطنون الرعاة وأطلقوا تجاههم قنابل الغاز المسيل للدموع تحت أنظار جنود الاحتلال الذين وفروا الغطاء الأمني لهذه الجرائم.
إن ملاحقة الرعاة في هذه المناطق الحيوية تهدف إلى تقويض نمط الحياة الرعوي الذي يميز سكان مسافر يطا، وهو سلاح يستخدمه الاحتلال منذ سنوات لفرض قيود عسكرية على الأرض وتصنيفها كـ "مناطق إطلاق نار" أو "محميات طبيعية" زائفة، بينما يُسمح للمستوطنين بالبناء والتوسع والرعي بحرية تامة، مما يجسد نظام "الأبارتهايد" في أبشع صوره الميدانية ضد المدنيين العزل.
تداعيات التدمير الممنهج على السلم الأهلي والوجود الفلسطيني
إن استمرار عمليات الهدم والاعتداءات في يطا ومسافرها يؤدي إلى تآكل الثقة في المنظومة الدولية التي تكتفي بالتنديد دون اتخاذ إجراءات عقابية رادعة ضد سلطات الاحتلال. فهذه السياسات لا تؤدي فقط إلى تشريد العائلات وتحويلها إلى لاجئين داخل وطنهم، بل تخلق حالة من التوتر الدائم الذي يهدد بانفجار الأوضاع في الضفة الغربية بأكملها.
إن عائلة الأتيمين وغيرها من العائلات التي فقدت مآويها اليوم تمثل صمود الإنسان الفلسطيني في وجه آلة الحرب، إلا أن استمرار تجريف الأراضي وهدم الحظائر والاعتداء على الرعاة يتطلب تحركاً حقوقياً دولياً لتوثيق هذه الانتهاكات كجرائم حرب وملاحقة المسؤولين عنها أمام المحافل القضائية الدولية لضمان حماية ما تبقى من الوجود الفلسطيني في المناطق المصنفة "ج".










