21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

حرب "الفراغ الأمني".. لماذا يصر الاحتلال على تصفية عناصر الأجهزة المدنية بغزة؟

في مشهد يتكرر بوتيرة متسارعة تثير القلق الدولي والحقوقي، تتواصل خروقات الاحتلال الإسرائيلي العميقة داخل قطاع غزة، آخذة منحىً أكثر خطورة

بقلم: محمد خميس
٢٣ مارس ٢٠٢٦
7 دقائق قراءة
18 مشاهدة
الاحتلال

الاحتلال

في مشهد يتكرر بوتيرة متسارعة تثير القلق الدولي والحقوقي، تتواصل خروقات الاحتلال الإسرائيلي العميقة داخل قطاع غزة، آخذة منحىً أكثر خطورة مع تصاعد استهداف عناصر الأجهزة الأمنية والشرطة المدنية بشكل مباشر. 

ولا يبدو هذا الاستهداف في جوهره عملاً عشوائيًا تفرضه طبيعة العمليات العسكرية، بل يعكس في الحقيقة سياسة ممنهجة ومدروسة بعناية تحمل رسائل متعددة تتجاوز البعد الأمني التقليدي لتصل إلى أبعاد سياسية ومجتمعية شديدة الحساسية. 

إن هذا التركيز على ضرب الكادر الشرطي يبعث برسائل سياسية إسرائيلية واضحة، مفادها أن أي ترتيبات ميدانية سابقة أو تفاهمات تهدئة هشة لا تعني بالضرورة توقف العمليات النوعية، بل تبقى هذه التفاهمات مرهونة بحسابات الاحتلال المتغيرة وتصوراته للأمن القومي. 

كما يُنظر إلى هذه الضربات الجوية والمدفعية كأداة ضغط قاسية على الجهات الحاكمة في غزة، بهدف إرباك إدارتها الداخلية وإضعاف قدرتها التنفيذية على ضبط الأوضاع الميدانية المتفجرة، مما يجعل من رجل الشرطة هدفًا سياسيًا قبل أن يكون هدفًا عسكريًا.

تداعيات أمنية ومجتمعية

ولا يقتصر تأثير هذه الاستهدافات المتكررة على الجانب الأمني الصرف، بل يمتد أثره بشكل مباشر وعميق إلى النسيج الاجتماعي المنهك في قطاع غزة نتيجة سنوات الحصار والحرب. فوجود الشرطة بزيها الرسمي في الشوارع المكتظة ومراكز الخدمات الحيوية يمنح المواطنين النازحين شعورًا نسبيًا بالأمان المفقود، ومع استمرار اغتيال هؤلاء العناصر، يتسلل القلق والتوتر إلى كافة تفاصيل الحياة اليومية، بدءًا من تنظيم الأسواق الشعبية وصولاً إلى إدارة مراكز الإيواء المزدحمة. 

ويرى مراقبون ومحللون أن تركيز الضربات على عناصر الشرطة والأمن يهدف بشكل أساسي إلى إضعاف البنية التنظيمية الداخلية في القطاع، وخلق حالة من "الفراغ الأمني" المقصود. فهذه الأجهزة تمثل في الواقع العمود الفقري للحفاظ على النظام العام ومنع التعديات، ومع غيابها القسري أو تراجع دورها الميداني خوفًا من الاستهداف، تتسع دائرة الفوضى والمنازعات الفردية، بما ينعكس سلبًا على صمود المواطنين في ظل الظروف الإنسانية المعيشية القاسية التي يمرون بها.

ذرائع الاحتلال والواقع

في المقابل، يحاول جيش الاحتلال الإسرائيلي تبرير هذه الاستهدافات الدموية عبر ادعاءات متكررة تتعلق بوجود ارتباطات تنظيمية بين بعض العناصر الأمنية والفصائل المسلحة في القطاع. وهو تبرير يثير جدلًا واسعًا في الأوساط القانونية، لا سيما بالنظر إلى طبيعة العمل اليومي للشرطة المدنية التي تُعنى بتنظيم السير، فض النزاعات، وتأمين المساعدات، وهي مهام مدنية بحتة كفلتها المواثيق الدولية. 

ومن جهته، أكد مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، إسماعيل الثوابتة، أن المعطيات الموثقة لدى الجهات الرسمية تشير بوضوح إلى استمرار الاستهداف المباشر والممنهج لأفراد الشرطة الفلسطينية، في انتهاك صارخ وقاسٍ لقواعد القانون الدولي الإنساني التي تكفل حماية كاملة للعاملين في الأجهزة المدنية والخدماتية حتى في أوقات النزاعات المسلحة.

 وأوضح الثوابتة أن هذه الاستهدافات أسفرت حتى الآن عن استشهاد أكثر من 2800 عنصر من أفراد الشرطة، وهو رقم ضخم يعكس رغبة حقيقية في تقويض البنية المدنية وإضعاف مؤسسات حفظ النظام العام التي تخدم أكثر من مليوني إنسان.

خروقات التهدئة المستمرة

وأضاف الثوابتة في تصريحاته الصحفية أنه رغم دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في العاشر من أكتوبر لعام 2025، فإن قوات الاحتلال لم تظهر أي التزام حقيقي ببنوده على الأرض. إذ سقط عشرات من أفراد الشرطة خلال هذه الفترة الوجيزة نتيجة استمرار الغارات المباغتة، بما يعكس نهجًا إسرائيليًا متعمدًا في خرق التهدئة وعدم احترام الالتزامات الدولية المبرمة أمام الوسطاء. 

وأشار المسؤول الحكومي إلى أن الفترة التي أعقبت تصاعد الأحداث الإقليمية المرتبطة بالتوتر مع إيران شهدت وحدها استشهاد أكثر من 15 من رجال الشرطة المدنية أثناء أداء واجبهم الإنساني، في مؤشر إضافي على اتساع دائرة الانتهاكات وعدم وجود خطوط حمراء لدى الآلة العسكرية الإسرائيلية.

 وشدد الثوابتة على أن هذا الاستهداف يأتي ضمن خطة "نشر الفوضى" وضرب الاستقرار الداخلي عبر تغييب الجهة المسؤولة عن القانون، مما يُربك كافة الجهود المبذولة لتنظيم حياة الناس اليومية المعقدة في ظل الدمار الهائل الذي أصاب البنية التحتية للقطاع.

صمود الأجهزة الشرطية

ولفت الثوابتة إلى أن الأجهزة الشرطية في غزة، رغم حجم التضحيات الجسيمة والتحديات الأمنية المعقدة، تواصل أداء واجبها الوطني والمهني وفق الإمكانات المتاحة وبروح عالية من المسؤولية الجماعية. ويتم ذلك من خلال اتخاذ سلسلة من الإجراءات الميدانية والاحترازية المشددة، تشمل مراجعات أمنية مستمرة، وإصدار أوامر عمليات تكتيكية للحد من المخاطر المحدقة بالعناصر، وإعادة تنظيم الانتشار في المناطق المزدحمة بما يضمن استمرار تقديم الخدمات الأساسية وعدم تعطيل مصالح المواطنين الحيوية. 

كما أشار إلى أن الجهات المختصة في غزة تقوم بإبلاغ الوسطاء الدوليين بشكل يومي ومنهجي بجميع الخروقات والانتهاكات التي يرتكبها الاحتلال، وذلك عبر تقارير تقنية تفصيلية توثق هذه الأحداث بالزمان والمكان، في إطار السعي القانوني المستمر لمتابعة ملفات المساءلة الدولية وملاحقة مرتكبي الجرائم ضد الكوادر المدنية.

تفكيك البنية الإدارية

من جانبه، يحلل المختص في الشأن الإسرائيلي، إسماعيل مسلماني، هذا المشهد مؤكدًا أن استهداف عناصر الشرطة يأتي ضمن مساعي الاحتلال الاستراتيجية لتفكيك البنية الإدارية والمدنية الشاملة في قطاع غزة. وأوضح مسلماني أن الشرطة في المنظور السوسيولوجي والسياسي لا تمثل مجرد جهاز أمني قمعي، بل هي الجهة المركزية التي تنظم إيقاع الحياة وتحمي المؤسسات العامة وتدير شؤون المدنيين في أدق تفاصيلهم، ما يجعل ضربها مدخلًا سهلاً لإحداث فراغ إداري وفوضى اجتماعية واسعة النطاق تصعب السيطرة عليها لاحقًا.

 وأضاف أن الاحتلال ينظر إلى جهاز الشرطة كجزء لا يتجزأ من بنية الحكم والسيادة في غزة، ويستهدفه بهدف إضعاف القدرة القيادية على إدارة الأزمات، وتعطيل توزيع المساعدات، وخلق حالة من الانفلات الأمني التي قد تؤدي إلى صدامات داخلية، بما يشكل ضغطًا إضافيًا على المجتمع الفلسطيني ويُضعف تماسكه في وجه المشاريع السياسية الخارجية.

خطر انهيار النظام المدني

وحذر مسلماني في ختام حديثه من أن استمرار هذه الاستهدافات الممنهجة قد يؤدي في نهاية المطاف إلى انهيار كامل في النظام المدني وتصاعد حاد في معدلات الجريمة الجنائية والفوضى الداخلية، وهو سيناريو يخدم أهداف الاحتلال في تشتيت المجتمع وتحويله إلى جزر معزولة تتصارع على الموارد المحدودة. 

وتأتي هذه التحذيرات في وقت لا تزال فيه الطائرات المسيرة الإسرائيلية تلاحق أي تحرك رسمي؛ حيث قصفت طائرات الاحتلال مؤخرًا مركبة تابعة للشرطة في مخيم النصيرات وسط القطاع، مما أدى إلى استشهاد أربعة من العناصر الأمنيين أثناء قيامهم بجولة تفقدية، في انتهاك صارخ وجديد لاتفاق وقف إطلاق النار الذي لم يجف حبره بعد منذ أكتوبر 2025، مما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته الأخلاقية والقانونية لوقف هذه التعديات على الموظفين العموميين والمدنيين.

محمد خميس

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

حرب "الفراغ الأمني".. لماذا يصر الاحتلال على تصفية عناصر الأجهزة المدنية بغزة؟ - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°