أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة عن حصيلة دامية جديدة لضحايا العدوان الإسرائيلي المستمر، حيث استقبلت مستشفيات القطاع منذ بداية أيام عيد الفطر المبارك وحتى اللحظة تسعة شهداء، من بينهم مواطن ارتقى متأثراً بجروحه الخطيرة، بالإضافة إلى إصابة ثلاثين آخرين بجراح متفاوتة، مما يثبت أن آلة الحرب لم تتوقف حتى في أقدس المناسبات الدينية لدى الفلسطينيين.
وأوضحت الوزارة في بيان رسمي صدر اليوم الاثنين، أن هذه الأرقام تأتي في سياق تصعيد ميداني لا يهدأ، حيث تواصل القوات الإسرائيلية استهداف التجمعات المدنية والمناطق السكنية، مما يحول أجواء العيد إلى مآتم مستمرة في مختلف محافظات القطاع، في ظل انهيار شبه كامل للمنظومة الصحية التي تكافح من أجل التعامل مع التدفق اليومي للجرحى والمصابين الذين يعانون من إصابات معقدة تتطلب تدخلات جراحية دقيقة وإمكانيات غير متوفرة حالياً بسبب الحصار المطبق ونقص المستلزمات الطبية والوقود اللازم لتشغيل المولدات الكهربائية.
وكشفت الإحصائيات الرسمية الصادرة عن الوزارة أن عدد الشهداء والمصابين منذ توقف إطلاق النار المؤقت في الحادي عشر من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي قد بلغ أرقاماً صادمة، حيث سُجل ارتقاء 687 شهيداً وإصابة 1,845 آخرين، فيما تمكنت الطواقم من انتشال 756 شخصاً من تحت الأنقاض وفي المناطق التي شهدت توغلات برية.
وتعكس هذه الأرقام حجم العنف الممارس في تلك الفترة الزمنية، مؤكدة أن القتل لم يتوقف رغم المحادثات السياسية أو المساعي الدولية للتهدئة، بل استمر الاستهداف المباشر للمدنيين في بيوتهم وفي مراكز النزوح التي كان من المفترض أن تكون آمنة، مما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته القانونية والأخلاقية تجاه ما يحدث من تطهير عرقي ممنهج وحرب إبادة شاملة تستهدف الوجود الفلسطيني في قطاع غزة، وسط غياب تام لآليات المحاسبة الدولية التي من شأنها لجم هذا العدوان ومنع تكرار هذه المجازر اليومية بحق الأبرياء من الأطفال والنساء والشيوخ.
أرقام كارثية في سجل الإبادة
وفي قراءة للإحصائية التراكمية التي توثق حجم المأساة منذ اندلاع العدوان في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، أظهرت بيانات وزارة الصحة أن إجمالي عدد الشهداء قد وصل إلى رقم غير مسبوق في التاريخ الفلسطيني الحديث، حيث بلغ 72,263 شهيداً، بينما ارتفع عدد المصابين والجرحى ليصل إلى 171,944 مصاباً، وهي أرقام تعبر عن كارثة إنسانية فاقت كل التوقعات والتقديرات الدولية.
إن هذه الأعداد الهائلة من الضحايا تعني أن عائلات بأكملها قد شُطبت من السجل المدني، وأن جيلاً كاملاً من الفلسطينيين قد أصيب بإعاقات دائمة أو فقد معيليه وأحباءه، وهو ما يؤسس لأزمة اجتماعية ونفسية وصحية ستمتد آثارها لعقود طويلة، خاصة وأن غالبية الشهداء والجرحى هم من الفئات الضعيفة، مما يؤكد أن الاستهداف الإسرائيلي لم يكن عشوائياً بل كان يهدف إلى إحداث أكبر قدر ممكن من الألم والدمار في البنية المجتمعية الفلسطينية، وتحويل قطاع غزة إلى مكان غير قابل للحياة عبر تدمير مقومات البقاء الأساسية.
وما يزيد من مرارة هذا المشهد الإنساني القاسي هو تأكيد الوزارة على وجود عدد غير محدد من الضحايا الذين ما زالوا تحت ركام المنازل المدمرة وفي جنبات الطرقات الوعرة، حيث تعجز طواقم الإسعاف والدفاع المدني عن الوصول إليهم حتى هذه اللحظة نتيجة الاستهداف المباشر لسيارات الإسعاف أو بسبب تدمير البنية التحتية والشوارع الرئيسية التي تعيق حركة الآليات الثقيلة.
إن بقاء جثامين الشهداء تحت الأنقاض لفترات طويلة يمثل انتهاكاً صارخاً للكرامة الإنسانية وينذر بكوارث بيئية وصحية وانتشار للأوبئة، ومع ذلك يواصل الاحتلال منع دخول المعدات اللازمة لانتشالهم أو توفير ممرات آمنة لفرق الإنقاذ، مما يجعل عائلات المفقودين تعيش في عذاب دائم بين أمل اللقاء وألم الفقد، في وقت يصر فيه الاحتلال على استخدام سياسة "الأرض المحروقة" ومنع أي محاولة لإغاثة المنكوبين أو مواراة جثامينهم الثرى، وهو ما يمثل جريمة حرب إضافية تضاف إلى سجل الجرائم الطويل المرتكب بحق الشعب الفلسطيني في غزة.










