في تقدير صادر عن معهد دراسات الأمن القومي، يسلّط الباحث أساف أوريون الضوء على تحوّل جوهري في طبيعة المواجهة مع إيران، حيث لم تعد المعركة محصورة في الأهداف العسكرية التقليدية، بل باتت تتركّز على استهداف "نقاط الضعف الحيوية" للتحالف الأمريكي–الإسرائيلي، وفي مقدمتها سوق الطاقة العالمي والدول الإقليمية الهشة.
وبحسب التقرير المنشور ضمن سلسلة "نظرة عامة" (العدد 2119 بتاريخ 24 مارس 2026)، تعتمد إيران استراتيجية مزدوجة تقوم على الصمود وإطالة أمد الحرب، مقابل فرض كلفة مرتفعة على خصومها، عبر استهداف إمدادات النفط وتهديد الملاحة في الخليج، إلى جانب توسيع نطاق الهجمات لتشمل دولاً إقليمية متعددة، وليس إسرائيل فقط.
ويشير التقدير إلى أن طهران تسعى من خلال تهديد مضيق هرمز واستهداف البنية التحتية للطاقة إلى رفع أسعار النفط عالمياً، ما ينعكس مباشرة على الاقتصاد الدولي، ويولّد ضغطاً سياسياً داخلياً على الولايات المتحدة، خاصة في سياق الانتخابات. وفي هذا الإطار، استخدمت إيران مزيجاً من العمليات المحدودة—مثل استهداف سفن ومنشآت وموانئ—والتصعيد الإعلامي، لخلق حالة ردع غير مباشرة دون الوصول إلى إغلاق شامل للممرات البحرية، بما يسمح لها بالاستمرار في تصدير نفطها، خصوصاً إلى الصين.
وفي سياق ما يصفه التقرير بـ"الحرب الإقليمية"، توسّعت خريطة الاستهداف الإيرانية لتشمل دول الخليج بشكل رئيسي، حيث وُجّهت نسبة كبيرة من الهجمات نحو الإمارات والكويت، إلى جانب هجمات أقل على السعودية وقطر والبحرين، وحتى دول خارج الإقليم. ويهدف هذا التوسع، وفق التحليل، إلى خلق انطباع بأن المنطقة بأكملها باتت ساحة حرب مفتوحة، بما يعزز أوراق الضغط الإيرانية في أي مفاوضات لاحقة.
غير أن هذا النهج، وفق التقرير، ارتدّ جزئياً على إيران، إذ ساهم في تعزيز عزلتها الدولية، ودفع دولاً غربية إلى تعزيز حضورها العسكري في المنطقة، كما شجّع بعض الدول الخليجية على زيادة تعاونها الأمني—بما في ذلك بشكل غير معلن—مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
وفي ما يتعلق بمواجهة هذه الاستراتيجية، يوصي التقرير باتباع مقاربة مركّبة تجمع بين العمل العسكري المباشر لتأمين الملاحة في مضيق هرمز، وبين خطوات اقتصادية وتنظيمية لضبط أسواق الطاقة، إلى جانب استخدام أدوات ضغط إضافية مثل استهداف الصادرات النفطية الإيرانية أو فرض قيود على ناقلاتها.
كما يطرح التقرير خيار "قلب المعادلة" عبر منع إيران نفسها من استخدام مضيق هرمز في حال استمرارها بعرقلة الملاحة الدولية، وهو خيار قد يشمل استهداف نقاط حيوية مثل جزيرة خرج، التي تُعد مركزاً رئيسياً لصادرات النفط الإيراني، أو حتى السيطرة عليها عسكرياً، رغم ما يحمله ذلك من مخاطر تصعيد كبيرة.
وفي البعد الاستراتيجي الأوسع، يدعو التقرير إلى الانتقال من مفهوم العمليات العسكرية المحدودة—الذي يرمز إليه بـ"درع يهودا"—إلى بناء منظومة أمن إقليمي أوسع تحت مسمى "درع إبراهيم"، تقوم على تعزيز التعاون العسكري والتقني بين إسرائيل ودول المنطقة، خاصة في مجالات الدفاع الجوي والتصدي للصواريخ والطائرات المسيّرة.
ويؤكد التقدير أن نجاح هذا النموذج يعتمد على إقناع دول المنطقة بأن التحالف مع الولايات المتحدة وإسرائيل لا يجلب المخاطر فقط، بل يوفر أيضاً مظلة حماية فعالة، وهو ما يشكل في حد ذاته ساحة مواجهة مركزية مع الاستراتيجية الإيرانية التي تسعى لعكس هذه المعادلة.







