في لحظة بدت وكأنها ذروة التصعيد، عاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ليبعث برسائل تحمل نبرة مختلفة، توحي بأن خيار المواجهة الشاملة مع إيران لم يعد المسار الوحيد المطروح. فالتصريحات الأخيرة، إلى جانب ردود الفعل الإيرانية، تعكس تحوّلًا ملحوظًا في الخطاب، وربما في الحسابات، خاصة بعد إنذار شديد اللهجة كان قد وجّهه بخصوص مضيق هرمز.
اللافت أن هذا التحول لم يأتِ في فراغ، بل في سياق ضغوط متشابكة إقليمية ودولية، حيث برزت مخاوف من انفجار أزمة طاقة عالمية، إلى جانب القلق المتزايد في دول الخليج من تهديدات الحرس الثوري، فضلًا عن انعكاسات محتملة على الداخل الأمريكي، خصوصًا ما يتعلق بأسعار الوقود. هذه العوامل مجتمعة دفعت ترامب، على ما يبدو، إلى التراجع خطوة إلى الوراء، في محاولة لتفادي تداعيات غير محسوبة.
تهديد ثم تراجع
قبل يومين فقط، لوّح ترامب باستخدام القوة العسكرية، مهددًا بقصف منشآت إنتاج الكهرباء في إيران، وعلى رأسها منشأة دماوند، في حال لم تستجب طهران لمطلبه بفتح مضيق هرمز. هذا التهديد لم يكن عابرًا، بل حمل في طياته إمكانية إشعال مواجهة واسعة قد تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي بأسره.
لكن، وبحسب قراءة مجريات الأحداث، لم يتم تنفيذ هذا التهديد. فبحسب ما نشرته صحيفة يديعوت أحرونوت، فإن التراجع الأمريكي جاء نتيجة مزيج من الضغوط السياسية والاقتصادية، إضافة إلى تخوفات إنسانية عبّر عنها معارضون إيرانيون في الخارج بشأن تداعيات استهداف البنية التحتية على المدنيين.
هذا التراجع لا يمكن فصله عن نمط أوسع في سلوك ترامب، الذي غالبًا ما يرفع سقف التهديد قبل أن يعود ويبحث عن مخرج تفاوضي، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى جدية هذه التهديدات من الأساس.
قنوات خلفية
في موازاة التهديدات، كشف ترامب عن وجود “محادثات” تجري مع ما وصفه بـ"بلاد إيران"، وهو توصيف لافت يتجنب الإشارة المباشرة إلى النظام الحاكم أو الجمهورية الإسلامية. هذا الاختيار اللغوي لم يمر دون دلالات، إذ يعكس، وفق مراقبين، محاولة لفتح قنوات مع أطراف داخلية لا تمثل بالضرورة القيادة الرسمية.
وأشار ترامب إلى أن هذه المحادثات يقودها مبعوثه للشرق الأوسط ستيف ويتكوف، إلى جانب صهره جاريد كوشنير، مع احتمال مشاركة أطراف استخباراتية ووسطاء إقليميين مثل تركيا. كما أكد في تصريحات لقناة CNBC أن الاتصالات “مكثفة وجيدة جدًا”، دون أن يحدد هوية الطرف الإيراني بشكل واضح.
هذا الغموض يفتح الباب أمام فرضيات متعددة، أبرزها أن واشنطن تحاول التواصل مع مراكز قوة داخل النظام الإيراني، بعيدًا عن القنوات الرسمية التقليدية، في محاولة لإحداث اختراق سياسي أو حتى تمهيد لتغيير داخلي.
من يمثل إيران؟
تتباين التقديرات حول هوية الشخصيات الإيرانية التي قد تكون منخرطة في هذه الاتصالات. في إسرائيل، تشير تقديرات إلى أن رئيس البرلمان محمد باقر قليباف قد يكون أحد هذه الأطراف، رغم أنه لا يُعد صاحب القرار النهائي في بنية النظام.
كما تُطرح أسماء أخرى مثل الرئيس مسعود بزشكيان، أو الرئيس الأسبق حسن روحاني، الذين يمتلكون ثقلًا سياسيًا داخل المؤسسة، لكنهم لا يمثلون التيار الأكثر تشددًا.
في المقابل، نفت طهران في البداية وجود أي محادثات، قبل أن تنقل وكالة رويترز عن مصدر إيراني أن الولايات المتحدة طلبت التواصل مع قليباف، دون أن يتم الرد على هذا الطلب حتى الآن. أما قليباف نفسه، فقد نفى إجراء أي اتصالات مباشرة مع واشنطن.
مناورة أم مسار جدي؟
يبقى السؤال المطروح: هل ما يجري مجرد مناورة سياسية من جانب ترامب لامتصاص التوتر، أم أنه مسار تفاوضي حقيقي؟ بعض التحليلات ترجّح أن الرئيس الأمريكي يسعى لخلق حالة من “الغموض الاستراتيجي” تتيح له التراجع دون الظهور بمظهر المتراجع، خاصة بعد تصعيد أثار قلقًا واسعًا في المنطقة.
في المقابل، لا يمكن استبعاد أن تكون هناك بالفعل مفاوضات غير مباشرة مع أطراف داخل النظام الإيراني، تهدف إلى تحقيق تسوية تضمن لواشنطن مكاسب سياسية دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة. هذه التسوية قد لا تعني إسقاط النظام، بل ربما إعادة تشكيله من الداخل، عبر تغييرات في موازين القوى أو في الخطاب السياسي.
أسئلة مفتوحة
إذا كانت هذه المحادثات حقيقية، فإنها تثير مجموعة من التساؤلات المعقدة. أولها: هل تملك الشخصيات التي يُعتقد أنها طرف في هذه الاتصالات القدرة على فرض رؤيتها داخل نظام شديد التعقيد، تهيمن عليه مؤسسات مثل الحرس الثوري والتيار المتشدد؟
ثانيًا: هل يسعى ترامب إلى اتفاق شكلي يمكن تسويقه كإنجاز سياسي، حتى وإن كان يفتقر إلى مضمون فعلي على الأرض؟ هذا السيناريو ليس بعيدًا عن أسلوبه في إدارة الأزمات، حيث يولي أهمية كبيرة للصورة الإعلامية.
ثالثًا: كيف ستتعامل إسرائيل مع أي تسوية محتملة؟ هل ستواصل التصعيد أم تعتبر ما تحقق كافيًا في هذه المرحلة؟ هذا السؤال يكتسب أهمية خاصة في ظل الترابط بين الساحات الإقليمية.
رابعًا: ما انعكاسات ذلك على جبهات أخرى، مثل لبنان، حيث تتصاعد التوترات بشكل متوازٍ، في مشهد يعكس ترابط الأزمات في المنطقة.
أفق غير محسوم
في المحصلة، لا يمكن الجزم بأن الحرب تقترب من نهايتها، ولا أن ما يحدث يمثل اختراقًا حقيقيًا. ما هو واضح فقط أن المشهد لا يزال مفتوحًا على احتمالات متعددة، بين تصعيد جديد أو تسوية جزئية.
ومع ذلك، فإن مجرد وجود قنوات تواصل، حتى وإن كانت غير مباشرة أو غامضة، يفتح نافذة – ولو ضيقة – أمام إمكانية تجنب مواجهة واسعة، وهو أمر يظل، في ظل تعقيدات المشهد، تطورًا يستحق المتابعة.







