تعمّقت المأساة الإنسانية في قطاع غزة، خاصة في صفوف النازحين، مع استمرار تأثير المنخفض الجوي العميق الذي ضرب المنطقة، حيث غرقت خيام الإيواء بمياه الأمطار، وتشردت عائلات جديدة بعد فقدان الحد الأدنى من المأوى. وتسببت الرياح العاتية في تمزيق وتدمير عدد كبير من الخيام، فيما اجتاحت المياه مراكز نزوح مكتظة، وسط عجز شبه كامل عن الاستجابة.
وأفاد شهود عيان بأن مياه الأمطار غمرت خيامًا بشكل واسع في مناطق المواصي جنوب خان يونس، إضافة إلى مناطق متفرقة وسط القطاع ومدينة غزة، حيث تحولت مخيمات النزوح إلى برك مائية واسعة، مع تدفق السيول إلى داخل الخيام، ما أدى إلى إتلاف محتوياتها وتدمير أجزاء كبيرة منها.
غرق الخيام
وتداول نازحون مشاهد مصورة توثق حجم الكارثة داخل خيامهم، التي لم تعد صالحة للحماية من المطر أو الرياح، نتيجة تهالكها واستمرار استخدامها لفترات طويلة في ظروف قاسية. ويقول أحد النازحين، وهو رجل في أواخر العقد الخامس من عمره يقيم قرب ساحل خان يونس، إن خيمة أسرته غرقت للمرة الثالثة منذ بداية فصل الشتاء، مؤكدًا أن القماش المهترئ لم يعد قادرًا على منع تسرب المياه.
وأوضح أن الخيمة التي حصل عليها قبل أكثر من عام ونصف من جهة إغاثية تعرضت سابقًا للتمزق بسبب التقلبات الجوية، ما جعلها غير صالحة للاستخدام. ومع ارتفاع منسوب المياه إلى أكثر من ثلاثين سنتيمترًا، اضطر مع عائلته إلى مغادرة المكان، حاملين ما تبقى من أمتعتهم، بحثًا عن مأوى مؤقت لدى أقاربهم.
مأساة تتجدد
وفي غرب مدينة غزة، تكررت المشاهد ذاتها، حيث غمرت المياه خيام النازحين قرب منطقة الميناء، وسط شكاوى من تفاقم المعاناة مع كل منخفض جوي. وأكد نازحون أن البرد القارس وانعدام وسائل التدفئة يزيدان من خطورة الوضع، خاصة على الأطفال، في ظل انقطاع مصادر الطاقة ونقص الوقود.
ووصف أحد النازحين ليلته بأنها كانت قاسية، إذ اضطر للبقاء ممسكًا بأعمدة خيمته خشية اقتلاعها بفعل الرياح، رغم اتخاذه احتياطات محدودة، لكنها لم تمنع تسرب المياه إلى الداخل. كما اشتكى آخرون من اقتلاع الأغطية البلاستيكية التي وضعوها فوق الخيام، ومن اضطرارهم إلى رفع ممتلكاتهم على مقاعد مرتفعة لتجنب تلفها.
بنية منهارة بالكامل
وتفاقمت الأزمة نتيجة الدمار الواسع الذي لحق بالبنية التحتية خلال العدوان، حيث تحولت الشوارع والأحياء السكنية إلى تجمعات مائية كبيرة بسبب تدمير شبكات الصرف الصحي وتصريف مياه الأمطار. وأسفر ذلك عن إصابة مواطنين إثر انهيار جدار على خيام نازحين في أحد شوارع مدينة غزة، وسط تحذيرات من تكرار حوادث مشابهة.
وحذّر جهاز الدفاع المدني من مخاطر انهيار مبانٍ وجدران متضررة، داعيًا السكان إلى اتخاذ أقصى درجات الحيطة، في ظل محدودية الإمكانيات وعجز الطواقم عن التعامل مع حجم الكارثة.
تحذيرات رسمية عاجلة
من جانبها، أكدت بلدية غزة أن المنخفض الجوي يعمّق الأزمة الإنسانية والخدمية في المدينة، مشيرة إلى أن الواقع الميداني بات أكثر تعقيدًا بسبب الدمار الكبير ونقص الموارد. وأوضحت أن المناطق المنخفضة ومحيط مخيمات النزوح تواجه خطر الغرق نتيجة عجز شبكات التصريف عن استيعاب كميات المياه المتدفقة.
وأضافت البلدية أنها تلقت عشرات الشكاوى من المواطنين بشأن تجمع المياه وطفحها، محذرة من تداعيات خطيرة قد تؤدي إلى فقدان آلاف الأسر لمأواها مجددًا. كما ناشدت الجهات الدولية والإنسانية التدخل العاجل لتوفير المعدات اللازمة وإعادة تأهيل البنية التحتية، إلى جانب إنشاء مساكن مؤقتة تضمن الحد الأدنى من الحياة الكريمة للنازحين.
تصعيد ميداني مستمر
بالتوازي مع الكارثة الإنسانية، واصلت قوات الاحتلال خروقاتها لاتفاق وقف إطلاق النار، حيث تعرضت المناطق الشرقية من القطاع لقصف مدفعي وإطلاق نار كثيف، طال مناطق قريبة من تجمعات النازحين.
وأفادت مصادر محلية بإصابة عدد من المواطنين إثر استهدافهم بطائرة مسيرة في شمال القطاع، إضافة إلى إصابات أخرى نتيجة إطلاق النار على مخيمات النزوح. كما أعلن جهاز الدفاع المدني انتشال جثمان شهيدة من شمال خان يونس بعد تنسيق مع الجهات الدولية.
حصيلة ثقيلة للضحايا
وأعلنت وزارة الصحة في غزة أن المستشفيات استقبلت خلال أربع وعشرين ساعة شهيدين وسبعة عشر مصابًا، لترتفع حصيلة الضحايا منذ بدء وقف إطلاق النار إلى مئات الشهداء وآلاف الجرحى، إضافة إلى انتشال مئات الجثامين من تحت الأنقاض.
وأكدت الوزارة أن الحصيلة الإجمالية للعدوان منذ أكتوبر 2023 تجاوزت عشرات الآلاف من الشهداء ومئات آلاف المصابين، في وقت لا يزال فيه عدد كبير من الضحايا تحت الركام، مع استمرار عجز طواقم الإسعاف عن الوصول إليهم.
في ظل هذا المشهد المركب، تتقاطع الكارثة الإنسانية مع التصعيد العسكري، لتكشف حجم المأساة التي يعيشها سكان غزة، حيث تتحول الأمطار إلى كارثة إضافية فوق حرب مستمرة، فيما يبقى آلاف النازحين عالقين بين خيام لا تقيهم البرد وعدوان لا يتوقف.










