19 يوليو 2026|القاهرة 28 °

حرب ترامب على إيران تدفع الهند إلى إعادة إحياء علاقات الصداقة مع روسيا

كشفت معطيات جديدة عن توجه الهند لإعادة توسيع تعاونها مع روسيا في مجال الطاقة، رغم الضغوط الأمريكية والعقوبات الغربية، في خطوة تعكس براجماتية حادة تحكم قرارات نيودلهي.

بقلم: أخبار ومتابعات
٢٧ مارس ٢٠٢٦
6 دقائق قراءة
12 مشاهدة
رئيس وزراء الهندي مودي والرئيس الروسي بوتين

رئيس وزراء الهندي مودي والرئيس الروسي بوتين

في تطور يعكس تحولات عميقة في توازنات الطاقة والسياسة، كشفت معطيات جديدة عن توجه الهند لإعادة توسيع تعاونها مع روسيا في مجال الطاقة، رغم الضغوط الأمريكية والعقوبات الغربية، في خطوة تعكس براجماتية حادة تحكم قرارات نيودلهي في ظل أزمة الطاقة العالمية المتفاقمة.

مع بداية يناير 2026، كانت الهند قد دخلت في مفاوضات مع الولايات المتحدة لتخفيف الرسوم الجمركية العقابية المفروضة على صادراتها، وهي الرسوم التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وفي سياق تلك المفاوضات، خفّضت نيودلهي مشترياتها من النفط الخام الروسي، في خطوة اعتُبرت على نطاق واسع تنازلاً مؤلماً لصالح واشنطن.

غير أن هذا التراجع لم يدم طويلاً، إذ سرعان ما عادت الهند لإعادة تقييم موقفها مع تصاعد الضغوط على سوق الطاقة العالمية، ما دفعها إلى إعادة فتح قنوات التعاون مع موسكو. هذا التحول السريع يعكس طبيعة القرار الهندي القائم على المصلحة المباشرة، بعيداً عن الاصطفافات السياسية الجامدة.

ويشير هذا المسار إلى أن التنازلات التي قدمتها الهند لم تكن استراتيجية طويلة الأمد، بل جاءت كتكتيك مؤقت لتخفيف الضغوط، قبل العودة إلى خيارات أكثر توافقاً مع احتياجاتها الحيوية.

عودة التعاون الطاقي

بعد شهرين فقط من خفض واردات النفط، بدأت نيودلهي وموسكو خطوات عملية لتعزيز التعاون، حيث اتفق الطرفان على التحضير لاستئناف مبيعات الغاز الطبيعي المسال الروسي بشكل مباشر، وذلك لأول مرة منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا.

ووفق مصادر مطلعة، تم التوصل إلى “اتفاق شفهي” خلال اجتماع عُقد في 19 مارس بين نائب وزير الطاقة الروسي بافيل سوروكين ووزير النفط والغاز الهندي هارديب سينغ بوري في العاصمة الهندية. ويُتوقع، في حال مضي الهند قدماً في هذا المسار، أن تُنجز المفاوضات خلال أسابيع قليلة.

كما اتفق الجانبان على زيادة صادرات النفط الخام الروسي إلى الهند، بحيث قد تتضاعف لتصل إلى ما لا يقل عن 40% من إجمالي واردات الهند خلال فترة قصيرة، وهو ما يعكس تحوّلاً كبيراً في خريطة الطاقة الهندية.

أزمة الطاقة تدفع القرار

تأتي هذه التطورات في ظل أزمة طاقة عالمية متفاقمة، تفجّرت عقب العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، وما تبعه من اضطرابات حادة في إمدادات النفط وارتفاع غير مسبوق في الأسعار.

وقد أدى الرد الإيراني، الذي شمل استهداف السفن في مضيق هرمز، إلى تعطيل شريان حيوي يمر عبره نحو نصف واردات الهند من النفط والغاز، ما تسبب في اختناقات داخلية حادة، تمثلت في طوابير طويلة أمام محطات الوقود ونقص في غاز الطهي.

هذا الواقع دفع الهند إلى البحث عن بدائل أكثر استقراراً، حيث برزت الإمدادات الروسية كخيار استراتيجي، خاصة أنها لا تمر عبر الخليج، ما يجعلها أقل عرضة للمخاطر الجيوسياسية.

ضغوط أمريكية متناقضة

رغم التقارب الهندي الروسي، لم تغلق نيودلهي الباب أمام واشنطن، إذ تواصلت مع الإدارة الأمريكية لبحث إمكانية الحصول على إعفاء من العقوبات يتيح لها استئناف واردات الغاز الروسي.

غير أن هذا المسار يكشف عن تناقض واضح في السياسة الأمريكية، حيث تسعى واشنطن من جهة إلى فرض قيود على التعاون مع موسكو، بينما تجد نفسها مضطرة لتخفيف هذه القيود تحت ضغط أزمة الطاقة العالمية.

وفي هذا السياق، أشار دبلوماسي هندي سابق إلى أن بلاده اختارت المسار الذي يخدم مصالحها الوطنية، مستندة إلى شراكة طويلة الأمد مع روسيا، مؤكداً أن المطالبة بإعفاءات من العقوبات يجب أن تكون جزءاً طبيعياً من التفاوض بين شركاء استراتيجيين.

تداعيات اقتصادية خطيرة

داخلياً، حذّرت تقارير حكومية هندية من أن تقليص واردات النفط الروسي المخفّض السعر ساهم في تفاقم الأزمة، وكان يمكن أن يخفف من آثارها لو استمر.

وأشارت مذكرة رسمية أُعدت في 20 مارس إلى أن استمرار اضطراب تدفقات النفط من الشرق الأوسط قد يؤدي إلى سلسلة من التحديات الاقتصادية، تشمل ارتفاع التضخم، تراجع قيمة العملة، وزيادة الدين الخارجي.

كما توقعت أن يتراجع نمو الصادرات بنسبة تتراوح بين 2% و4%، مع ارتفاع التضخم في أسعار الجملة، ما يعكس حجم الضغوط التي تواجه الاقتصاد الهندي في ظل هذه الأزمة المركبة.

موسكو تستثمر الفرصة

في المقابل، تسعى روسيا إلى استثمار هذا الظرف لتعزيز موقعها في السوق الهندية، حيث تشير التقديرات إلى أن أي اتفاق جديد لتوريد الغاز قد يكون بشروط أقل ملاءمة للهند مقارنة بالاتفاقيات السابقة.

كما تعمل موسكو على توسيع تعاونها ليشمل قطاعات أخرى، مثل نقل الكهرباء والبنية التحتية، في خطوة تهدف إلى ترسيخ حضورها الاستراتيجي داخل الاقتصاد الهندي.

إلى جانب ذلك، تتحرك روسيا لتعزيز الربط الجوي والتجاري مع الهند، في إطار مسعى أوسع لتعميق العلاقات الثنائية، التي باتت تعتمد بشكل متزايد على التعامل بالعملتين المحليتين، ما يقلل من الاعتماد على الدولار.

توازنات دولية معقدة

تكشف هذه التطورات عن مشهد دولي شديد التعقيد، حيث تجد الهند نفسها بين ضغوط أمريكية متزايدة وشراكة استراتيجية راسخة مع روسيا، في وقت تتصاعد فيه المنافسة العالمية على مصادر الطاقة.

كما تعكس الأزمة حدود القدرة الأمريكية على فرض سياساتها الاقتصادية في ظل التحولات الجيوسياسية، خاصة مع بروز قوى تسعى لإعادة تشكيل النظام الاقتصادي بعيداً عن الهيمنة التقليدية.

وفي ظل هذه المعادلة، يبدو أن الهند تمضي في رسم مسار مستقل، قائم على موازنة المصالح، حتى وإن أدى ذلك إلى تحدي الضغوط الغربية، ما يفتح الباب أمام إعادة تشكيل خريطة التحالفات في النظام الدولي.

أخبار ومتابعات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

حرب ترامب على إيران تدفع الهند إلى إعادة إحياء علاقات الصداقة مع روسيا - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°