يشهد المشهد الأمني في منطقة الشرق الأوسط حالة من السيولة العسكرية غير المسبوقة، حيث تداخلت الجبهات من لبنان وصولاً إلى اليمن والخليج، ليبرز العراق كأحد أخطر الساحات المفتوحة التي تُدار فيها المواجهات بالوكالة والأصالة على حد سواء.
إن تحول الجغرافيا العراقية إلى مسرح للضربات الجوية واستهدافات متبادلة بين القوى الإقليمية والدولية يعكس فشل الجهود الرامية لتحييد بغداد عن صراعات المحاور، حيث باتت الأراضي العراقية منطلقاً ومهبطاً للطائرات المسيرة والصواريخ البالستية التي تستهدف قواعد عسكرية ومقرات استخباراتية.
هذا الوضع جعل من الدولة العراقية جسراً ملتهباً يربط بين نيران الجبهة اللبنانية وتحركات الفصائل في اليمن، مما وضع الحكومة المركزية في بغداد أمام تحديات سيادية معقدة، إذ تجد نفسها عاجزة عن ضبط تحركات التشكيلات المسلحة التي تفرض واقعاً ميدانياً يربط مصير العراق بمعادلات "وحدة الساحات" العابرة للحدود الوطنية.
وفي سياق هذا التصعيد، برزت مدينة أربيل كهدف متكرر لسلسلة من الهجمات الصاروخية التي وصفت بأنها "تحت النار"، وهي هجمات تحمل رسائل إقليمية ودولية تتجاوز في أهدافها حدود إقليم كردستان والجغرافيا العراقية الصرفة.
إن استهداف أربيل لا يتعلق فقط بالخلافات الداخلية بين بغداد وأربيل، بل يندرج ضمن استراتيجية "صندوق البريد" التي تتبعها القوى الإقليمية لتوجيه ضربات موجعة للخصوم الدوليين المتواجدين على الأرض، أو للرد على عمليات أمنية جرت في عواصم أخرى.
هذه الرسائل الصاروخية تسعى إلى إثبات القدرة على الوصول إلى أي نقطة استراتيجية في المنطقة، مما يجعل من أمن الإقليم رهينة للتفاهمات أو الصدامات الكبرى بين واشنطن وطهران، ويضع استقرار شمال العراق في مهب الريح أمام تزايد وتيرة الاستهدافات الجوية المتبادلة التي لم تعد تراعي حرمة السيادة أو التداعيات الإنسانية والاقتصادية على سكان المنطقة.
انعكاسات اشتعال الجبهات في اليمن ولبنان على أمن الخليج
لا يمكن قراءة المشهد العراقي بمعزل عن التطورات المتسارعة في جبهتي لبنان واليمن، حيث أدى الترابط العضوي بين هذه الساحات إلى خلق بيئة أمنية ضاغطة على دول الخليج العربي والشركاء الدوليين، فاستمرار الهجمات المنطلقة من اليمن نحو خطوط الملاحة الدولية ومن لبنان نحو الجبهة الشمالية، عزز من دور الفصائل المسلحة في العراق كقوة إسناد قادرة على فتح جبهة ثالثة في أي لحظة.
إن الضربات الجوية المتبادلة التي شهدتها الساحة العراقية مؤخراً كانت تهدف بالأساس إلى تعطيل خطوط الإمداد والاتصال بين هذه الجبهات، إلا أنها أدت في المقابل إلى زيادة منسوب التوتر في منطقة الخليج، خاصة مع التهديدات المتكررة باستهداف المنشآت الحيوية في حال توسع رقعة الصراع.
هذا التشابك يجعل من أي هجوم على أربيل أو بغداد بمثابة شرارة قد تشعل الجبهات الأخرى، مما يفرض على القوى الإقليمية مراجعة حسابات الردع التي باتت تعتمد على توازن الرعب المتبادل عبر طائرات مسيرة رخيصة التكلفة وقادرة على اختراق أكثر الدفاعات الجوية تطوراً.
إن التحدي الأكبر الذي يواجه العراق في عام 2026 هو كيفية استعادة السيطرة على قراره الأمني ومنع تحويل أراضيه إلى ساحة لتصفية الحسابات، خاصة وأن استمرار الضربات الجوية يهدد بتقويض ما تبقى من هيبة الدولة ومؤسساتها الرسمية.
فبينما تحاول بغداد بناء شراكات اقتصادية واستثمارية، تأتي الاستهدافات المتبادلة لتطرد المستثمرين وتضع العراق في خانة الدول غير المستقرة أمنياً، وهو ما يخدم أجندات القوى التي تريد بقاء العراق ساحة استنزاف دائم.
إن الرسائل الإقليمية التي أُرسلت عبر قصف أربيل كانت واضحة في تأكيدها على أن لا أحد بمنأى عن نيران المواجهة، وأن الجغرافيا لم تعد تشكل عائقاً أمام الطموحات التوسعية أو العمليات الانتقامية، مما يستدعي تدخلاً دولياً حازماً لترسيم خطوط حمراء جديدة تحمي المدنيين والمنشآت الحيوية من الانزلاق نحو حرب إقليمية شاملة تبدأ من بغداد وتنتهي في موانئ البحر الأحمر والخليج.
تظل الجبهات المتعددة الممتدة من لبنان إلى اليمن بمثابة برميل بارود ينتظر لحظة الانفجار الكبير، حيث يمثل العراق الحلقة الأضعف والأكثر تأثراً بهذا الصراع نظراً لتعدد الولاءات وتغلغل الفصائل المسلحة في مفاصل القرار.










