يدخل المشهد السياسي الدولي مرحلة من التعقيد غير المسبوق، حيث ألقت الحرب الباردة والمناوشات العسكرية المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران بظلالها الكثيفة على استقرار التحالفات الغربية التقليدية.
إن الحالة الراهنة من الاضطراب لم تكن مجرد رد فعل على تحركات عسكرية ميدانية، بل هي انعكاس لأزمة ثقة عميقة بدأت تتآكل بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين الذين باتوا يشككون في قدرة الإدارة الأمريكية على إدارة ملفات الشرق الأوسط بحكمة بعيداً عن المغامرات غير محسوبة العواقب.
هذا الإرباك الذي أصاب العواصم الغربية نابع من غياب التنسيق المسبق، حيث تجد دول مثل فرنسا وألمانيا وبريطانيا نفسها مدفوعة نحو حافة مواجهة شاملة لا تخدم مصالحها الاقتصادية أو الأمنية، مما دفع العديد من المحللين الاستراتيجيين إلى التساؤل حول مدى استمرارية الولاء المطلق لواشنطن في ظل سياسات "حافة الهاوية" التي تنتهجها إدارة ترامب، والتي قد تؤدي في نهاية المطاف إلى تفكك العقد الأطلسي وظهور أقطاب دولية جديدة تسعى لملء الفراغ الذي خلفه التخبط الأمريكي الواضح في إدارة الأزمات الدولية الكبرى.
وتشير التقارير الاستخباراتية والسياسية إلى أن الحلفاء الأوروبيين باتوا يشعرون بأنهم مجرد أدوات لتنفيذ استراتيجية أمريكية متبدلة، لا تراعي الخصوصيات الأمنية للقارة العجوز أو ارتباطاتها الطاقوية مع منطقة الخليج وإيران.
هذا التآكل في الثقة لم يقتصر على الصعيد الدبلوماسي فحسب، بل امتد ليشمل التعاون العسكري والاستخباراتي، حيث بدأت بعض الدول في البحث عن مسارات بديلة للتهدئة مع طهران بعيداً عن مظلة البيت الأبيض، خوفاً من الانزلاق إلى حرب إقليمية قد تتحول إلى صراع عالمي مدمر.
إن التردد الأمريكي في تقديم ضمانات أمنية واضحة لحلفائه، مع الإصرار على فرض عقوبات أحادية الجانب تؤثر على الشركات الأوروبية، خلق فجوة واسعة في الرؤى الاستراتيجية، مما جعل الغرب يبدو في حالة من التشرذم أمام التحدي الإيراني الذي استطاع اللعب على هذه التناقضات الغربية ببراعة، محققاً نقاطاً سياسية في ملفات التفاوض الإقليمية، وهو ما يضع هيبة الولايات المتحدة كقائد للعالم الحر على المحك في ظل هذا الارتباك الاستراتيجي المستمر.
انتفاضة الشارع الأمريكي ضد سياسات ترامب
بالتوازي مع الإرباك الخارجي، تواجه إدارة ترامب ضغوطاً داخلية هائلة وغير مسبوقة في تاريخ الولايات المتحدة الحديث، حيث تفجرت موجة عارمة من الاحتجاجات التي اجتاحت مختلف الولايات الأمريكية، وسجلت مراكز الرصد ما يزيد عن 3200 فعالية احتجاجية نظمتها مجموعات مدنية وحقوقية وسياسية ترفض الانجرار إلى حرب جديدة في الشرق الأوسط. هذه الاحتجاجات لم تكن مجرد تجمعات عابرة، بل كانت تعبيراً عن غضب شعبي عارم ضد ما وصفوه بسياسات ترامب "العدائية والتدميرية" التي تستنزف موارد الدولة في صراعات خارجية لا طائل منها، بينما تعاني الجبهة الداخلية من انقسامات حادة وتحديات اقتصادية واجتماعية متزايدة.
المتظاهرون الذين رفعوا شعارات تطالب بوقف التصعيد مع إيران ركزوا في خطابهم على أن تكلفة الحرب البشرية والمادية ستكون باهظة على المواطن الأمريكي البسيط، وأن الإدارة الحالية تكرر أخطاء الماضي في العراق وأفغانستان ولكن بصورة أكثر خطورة وتعقيداً، مما جعل البيت الأبيض يعيش حالة من الحصار المعنوي والسياسي داخل حدوده الوطنية، وهو ما أضعف موقف ترامب في مفاوضاته الدولية.
لقد شكلت الـ 3200 فعالية احتجاجية ضغطاً هائلاً على أعضاء الكونجرس، وبدأت تظهر تصدعات داخل الحزب الجمهوري نفسه، حيث أبدى بعض المشرعين قلقهم من أن تؤدي هذه السياسات إلى خسارة انتخابية فادحة وتشويه صورة الحزب لعقود قادمة.
إن التنوع في فئات المشاركين في هذه الاحتجاجات، من طلاب الجامعات إلى المحاربين القدامى ونقابات العمال، يعكس إجماعاً شعبياً نادراً على ضرورة تغيير المسار السياسي الخارجي، حيث يرى هؤلاء أن ترامب يستخدم التصعيد مع إيران كورقة للهروب من الأزمات القانونية والسياسية التي تلاحقه في الداخل هذا الحراك الشعبي الواسع وضع الإدارة الأمريكية في موقف دفاعي، حيث حاول البيت الأبيض تبرير خطواته التصعيدية بمفاهيم الأمن القومي، إلا أن الرواية الرسمية لم تجد صدى واسعاً أمام الحقائق الميدانية والواقع الاقتصادي المأزوم، مما جعل "الشارع الأمريكي" لاعباً أساسياً في صياغة مستقبل القرار العسكري تجاه طهران في عام 2026.
تخبط ترامب وغياب الاستراتيجية الواضحة
في قلب هذه الأزمات المتلاحقة، يبرز التساؤل الجوهري حول طبيعة الاستراتيجية التي يتبعها دونالد ترامب تجاه الملف الإيراني، حيث يرى كبار المحللين العسكريين أن الرئيس الأمريكي يتحرك في مساحة رمادية بين التصعيد العسكري العنيف والانسحاب المفاجئ، وهو ما يعكس حالة من التخبط وغياب الرؤية بعيدة المدى.
إن القرارات المتناقضة التي تصدر عن البيت الأبيض، تارة بالتهديد بتدمير المواقع النووية وتارة أخرى بفتح قنوات اتصال سرية للتفاوض، خلقت حالة من "اللايقين" لدى الصديق والعدو على حد سواء.
هذه الحرب التي توصف بأنها "بلا استراتيجية واضحة" جعلت الولايات المتحدة تبدو كقوة عظمى تتخبط في قراراتها، حيث يتم اتخاذ الخطوات بناءً على ردود أفعال آنية أو تغريدات متسرعة، دون وجود خطة شاملة لما بعد التصعيد العسكري، مما يرفع من احتمالات وقوع أخطاء حسابية قد تؤدي إلى انفجار الموقف بشكل لا يمكن السيطرة عليه، وهو ما يخشاه القادة العسكريون في البنتاغون الذين يجدون أنفسهم أمام تكليفات متغيرة ومبهمة تفتقر للغطاء السياسي الدولي.
إن معضلة ترامب تكمن في رغبته في تحقيق نصر سريع وحاسم يعزز من مكانته السياسية، دون الانخراط في حرب استنزاف طويلة ومكلفة، وهو أمر يبدو مستحيلاً في التعامل مع دولة مثل إيران تملك أوراقاً إقليمية متشعبة.
هذا التناقض جعل ترامب يتأرجح بين ضغوط الصقور في إدارته الذين يدفعون نحو المواجهة الشاملة، وبين حذره الشخصي من التورط في "حروب لا تنتهي" كان قد وعد قاعدته الانتخابية بإنهائها.
النتيجة كانت سياسة هجينة لم تنجح في ردع طهران ولا في طمأنة الحلفاء، بل أدت إلى زيادة التوتر في ممرات الملاحة الدولية ورفع أسعار الطاقة العالمية، مما وضع الاقتصاد الدولي في حالة من التأهب الدائم.
إن غياب "خارطة طريق" واضحة المعالم في واشنطن جعل من الأراضي الأمريكية والشرق الأوسط ساحات لانتظار المجهول، حيث يبقى قرار الحرب أو السلام رهيناً لمزاجية سياسية لا تخضع للمعايير الدبلوماسية التقليدية، مما يعزز فرضية أن الإدارة الحالية تقود البلاد نحو طريق مسدود قد ينتهي بانسحاب مذل أو تصادم كارثي يغير وجه العالم إلى الأبد.
تستمر التفاعلات الدولية والمحلية في رسم صورة قاتمة لمستقبل النفوذ الأمريكي في ظل استمرار هذا النهج المتذبذب، حيث أصبحت "الثقة" هي العملة المفقودة في بورصة العلاقات الدولية.
وبينما تستعد الولايات المتحدة لمرحلة سياسية فاصلة، يبقى ملف الحرب مع إيران هو الاختبار الأصعب الذي سيكشف مدى قدرة المؤسسات الأمريكية على لجم جموح السلطة التنفيذية وإعادة صياغة استراتيجية وطنية تحترم التحالفات الدولية وتستجيب لمطالب الشارع الغاضب.









