كشف تقرير حديث لفريق الأمم المتحدة العامل المعني باستخدام المرتزقة، عقب زيارة استمرت 11 يوماً إلى كولومبيا وانتهت في مارس 2026، أن أكثر من 10 آلاف كولومبي جرى تجنيدهم خلال العقد الماضي في نزاعات مسلحة وأدوار أمنية خاصة خارج البلاد. ويضم هؤلاء في الغالب أفراداً سابقين في الجيش والشرطة، تم استقطابهم عبر قنوات قانونية وغير نظامية، في ظل طلب متزايد على خبراتهم العسكرية. ويعكس هذا الرقم اتساع الظاهرة وتحولها من حالات فردية إلى مسار منظم للتوظيف العسكري العابر للحدود.
ينجذب هؤلاء المقاتلون إلى رواتب تتراوح بين 2000 و6000 دولار شهرياً، وهو ما يفوق بكثير معاشات التقاعد العسكرية في كولومبيا التي تبلغ نحو 400 دولار فقط. وقد تم نشرهم في ساحات قتال عالية الكثافة مثل أوكرانيا والسودان واليمن والكونغو الديمقراطية والصومال، ما يشير إلى انتشارهم العالمي. ويؤكد التقرير أن القانون الكولومبي الجديد المناهض للمرتزقة يمثل خطوة إيجابية، لكنه لا يكفي في ظل استمرار التجنيد عبر وسائل التواصل الاجتماعي بطرق استغلالية.
تجسد هذه الظاهرة تحولات أوسع في طبيعة الحروب الحديثة، حيث يتزايد الاعتماد على المتعاقدين العسكريين الخاصين والمقاتلين الأجانب. ويعكس ذلك نقص القوى البشرية لدى الدول، وحاجتها إلى الإنكار السياسي، إلى جانب تصاعد الحروب غير المتكافئة. كما يبرز المقاتل الكولومبي كخيار مفضل بفضل تدريبه العالي وتكلفته المنخفضة نسبياً، ما يثير تساؤلات قانونية وأخلاقية عميقة.
دوافع التجنيد
تنتج كولومبيا سنوياً نحو 10 آلاف متقاعد عسكري، كثير منهم في الأربعينيات من العمر، مع فرص محدودة للاندماج المدني بعد سنوات طويلة من الخدمة في بيئة عسكرية. ويشكل هذا الواقع دافعاً اقتصادياً قوياً للبحث عن فرص عمل خارجية، خاصة في ظل الفجوة الكبيرة بين الرواتب المحلية والعروض الدولية. كما يعكس ذلك فشل برامج إعادة دمج المحاربين القدامى في المجتمع المدني.
ويتمتع هؤلاء المقاتلون بمهارات متقدمة في مكافحة التمرد والقتال الحضري والاستخبارات واستخدام الطائرات المسيّرة والعمل في البيئات القاسية. ويجعل ذلك منهم مورداً بشرياً مطلوباً بشدة في النزاعات الحديثة التي تتطلب خبرات متعددة. كما يعزز هذا “العائد المهاري” من قيمتهم في سوق الحروب العالمية.
وتتم عمليات التجنيد عبر وسائل متعددة، أبرزها منصات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وإنستغرام وتيليغرام وتيك توك وواتساب، إضافة إلى شبكات العلاقات الشخصية والوسطاء. وتشمل الأساليب الاستغلالية عقوداً مضللة أو تأخير الرواتب أو تقديم وظائف وهمية مثل “أعمال البناء”. ويعكس ذلك تحوّل التجنيد إلى صناعة منظمة تستغل الأوضاع الاقتصادية للمقاتلين السابقين.
كولومبيون في ساحات القتال
ينتشر المقاتلون الكولومبيون في عدة جبهات عالمية، حيث شاركوا في اليمن ضمن وحدات مدعومة من الإمارات منذ عام 2015، وتلقوا رواتب وصلت إلى 7000 دولار شهرياً. وشكلوا وحدات كاملة قاتلت أنصار الله، ما جعل اليمن نموذجاً مبكراً لتوظيفهم في الحروب الحديثة. كما أسهم ذلك في ترسيخ نمط الاعتماد على المقاتلين الأجانب.
في أوكرانيا، يمثل الكولومبيون أكبر مجموعة من المقاتلين الأجانب، حيث تشير التقديرات إلى مشاركة ما بين 1500 و7000 مقاتل، مع سقوط مئات القتلى. وتم دمجهم في وحدات رسمية، ما يجعل وضعهم القانوني مختلفاً عن تعريف المرتزقة التقليدي. ويبرز دورهم في حرب الخنادق والطائرات المسيّرة كعنصر حاسم في العمليات الميدانية.
أما في السودان، فقد انضم مئات منهم إلى قوات الدعم السريع المدعومة إماراتياً، وشاركوا في معارك عنيفة مثل الفاشر. كما ظهروا في الكونغو والصومال وليبيا وأدوار أمنية في الشرق الأوسط، إضافة إلى ارتباط بعضهم بالجريمة المنظمة في أمريكا اللاتينية. ويعكس هذا الانتشار العالمي تحولهم إلى قوة عسكرية متنقلة تخدم صراعات متعددة.
سوق الحروب
تسعى الأطراف المتحاربة إلى استقطاب المقاتلين الكولومبيين بسبب نقص القوى البشرية وارتفاع كفاءة هؤلاء المقاتلين مقارنة بتكلفتهم. ويتيح ذلك للدول خوض حروب طويلة دون تحمل تكاليف سياسية داخلية مثل التجنيد الإجباري. كما يوفر غطاءً للإنكار السياسي في العمليات الحساسة.
وتسهم هذه الديناميكيات في إطالة أمد النزاعات، حيث يتم تعويض الخسائر البشرية بسرعة عبر مقاتلين أجانب. ويحول ذلك الحروب إلى سوق مفتوحة تعتمد على العرض والطلب، بدلاً من الجيوش الوطنية التقليدية. كما يعزز هذا التحول الطابع التجاري للنزاعات المسلحة.
وفي الوقت نفسه، ينقل هؤلاء المقاتلون خبراتهم إلى ساحات جديدة، بما في ذلك الجماعات الإجرامية، ما يزيد من تعقيد المشهد الأمني العالمي. ويؤدي ذلك إلى تداخل بين الحروب النظامية وغير النظامية. كما يخلق تحديات جديدة أمام الدول في السيطرة على العنف.
تداعيات خطيرة
تؤدي هذه الظاهرة إلى خسائر بشرية كبيرة، حيث سقط العديد من القتلى، بينما تبحث مئات العائلات الكولومبية عن معلومات حول أقارب مفقودين. كما يعاني المقاتلون من صدمات نفسية واستغلال في بعض الحالات، بما في ذلك تقييد الحركة وإجبارهم على القتال. ويكشف ذلك عن الوجه الإنساني القاسي لهذه الظاهرة.
كما تطرح هذه العمليات تحديات قانونية، إذ يصعب تحديد المسؤولية في ظل تداخل الجهات الحكومية والخاصة. ويؤثر ذلك على جهود السلام، حيث تصبح النزاعات أكثر تعقيداً وأقل قابلية للحل. كما يساهم في تصعيد التوترات الإقليمية.
وتواجه كولومبيا نفسها تداعيات سلبية، مثل استنزاف كوادرها العسكرية وعودة مقاتلين بخبرات وشبكات جديدة قد تُستخدم داخلياً. ويؤدي ذلك إلى مخاطر أمنية طويلة الأمد. كما يعكس تأثير العولمة العسكرية على الدول المصدّرة للمقاتلين.
الإطار القانوني لاستخدام المرتزقة
يحظر القانون الدولي استخدام المرتزقة، لكن تطبيقه يواجه صعوبات بسبب الغموض في التعريفات وتورط بعض الدول. وقد صادقت كولومبيا على قانون جديد يجرّم تجنيد وتمويل وتدريب المرتزقة، في خطوة أشادت بها الأمم المتحدة. ومع ذلك، يبقى التنفيذ الكامل تحدياً رئيسياً.
وتوصي الأمم المتحدة بضرورة تعزيز جمع البيانات، وزيادة الوعي، وتطوير برامج إعادة دمج المحاربين القدامى، إلى جانب التعاون الدولي. ويعكس ذلك الحاجة إلى معالجة جذور المشكلة وليس فقط نتائجها. كما يؤكد أن الحل يتطلب تنسيقاً عالمياً.
وتظل هناك فجوات كبيرة، مثل ضعف تنظيم شركات الأمن الخاصة، وانتشار التجنيد عبر الإنترنت، وصعوبة الرقابة على المناطق النائية. ويجعل ذلك الظاهرة أكثر تعقيداً. كما يحد من فعالية القوانين الحالية.
مستقبل الظاهرة
تشير حالة كولومبيا إلى ترسخ ظاهرة المرتزقة في الحروب متعددة الأقطاب، مع تزايد الطلب على المقاتلين ذوي الخبرة. ومع استمرار النزاعات في أوكرانيا والسودان والشرق الأوسط، من المتوقع أن يتوسع هذا الاتجاه. كما قد تحذو دول أخرى حذو كولومبيا في تصدير المقاتلين.
وتحمل هذه الظاهرة مخاطر كبيرة، مثل تطبيع الاتجار بالمقاتلين، وتزايد شبكات التهريب، وتآكل احتكار الدولة لاستخدام القوة. ويؤدي ذلك إلى إعادة تشكيل طبيعة الحروب بشكل جذري. كما يفتح الباب أمام نماذج جديدة من النزاعات.
وفي المقابل، يمكن استغلال هذه الأزمة لتطوير سياسات جديدة، مثل تحسين دعم المحاربين القدامى وتنظيم شركات الأمن الخاصة. ويعكس ذلك فرصة لإعادة ضبط النظام الدولي. لكن دون معالجة الأسباب الاقتصادية، تتوقع الأمم المتحدة استمرار نمو الظاهرة بشكل ملحوظ.
نزاعات عالمية
يكشف انتشار أكثر من 10 آلاف مقاتل كولومبي في نزاعات عالمية عن مفارقة عميقة في الحروب الحديثة، حيث تتحول الخبرات العسكرية إلى سلعة عابرة للحدود. ويعكس ذلك تداخل المصالح الاقتصادية مع الصراعات المسلحة، ما يطيل أمد الحروب ويزيد من تعقيدها. كما يسلط الضوء على الحاجة الملحة لإصلاحات شاملة.
وفي ظل استمرار النزاعات، قد تصبح ظاهرة “المرتزقة الكولومبيين” نموذجاً لمستقبل الحروب، حيث تتراجع الجيوش التقليدية لصالح قوى خاصة. ويؤكد ذلك أن العالم يتجه نحو ساحة قتال أكثر تفككاً وخصخصة. كما يفرض تحديات غير مسبوقة على الأمن الدولي.









