صدر هذا التحليل عن معهد دراسات الأمن القومي، ضمن سلسلة “نظرة على”، بقلم الباحث أودي ديكل بتاريخ 29 مارس 2026، ويبحث في كيفية تحويل الإنجاز العسكري ضد إيران إلى مكسب استراتيجي طويل الأمد عبر تسوية إقليمية.
يرى التقرير أن إسرائيل، منذ أحداث السابع من أكتوبر، باتت أسيرة مفهوم “الأمن المطلق”، الذي يقوم على إزالة أي تهديد بشكل كامل، وليس احتوائه أو إدارته.
ووفق هذا التصور، فإن أي نتيجة لا تحقق إزالة كاملة للتهديد تُعد فشلًا، وأي تسوية تُفسَّر كتنازل، ما يدفع نحو استمرار الحروب دون أفق سياسي واضح.
وفي هذا السياق، تواجه إسرائيل، بحسب التحليل، خطر الوقوع في مسارين رئيسيين: الأول هو وقف إطلاق نار دون آليات فعالة لمعالجة البرنامج النووي والصواريخ الباليستية الإيرانية، ما يعني جولات قتال متكررة مستقبلًا؛ والثاني هو الانزلاق إلى حرب استنزاف مفتوحة بلا نقطة خروج.
ويؤكد التقرير أن تحويل الإنجاز العسكري إلى إنجاز استراتيجي يتطلب إنشاء إطار تعاون مع الولايات المتحدة ودول عربية “معتدلة”، يهدف إلى تقليص التهديد الإيراني، وضمان استمرار الوجود العسكري الأمريكي، وتعزيز التعاون الأمني الإقليمي، إضافة إلى حماية حرية الملاحة ودعم الاستقرار الاقتصادي.
ويعرض التقرير ثلاثة سيناريوهات محتملة لنهاية الحرب. السيناريو المرجح يتمثل في تفاهمات بين واشنطن وطهران لوقف القتال مقابل إعادة فتح مضيق هرمز وضمان حرية الملاحة، مع استمرار مفاوضات حول الملف النووي والصاروخي، دون حسم كامل للصراع. أما السيناريو المفضل، فيقوم على تسوية شاملة تتضمن آليات رقابة وتنفيذ فعالة تشمل النووي والصواريخ ووكلاء إيران، بمشاركة إقليمية واسعة. في المقابل، يحذر التقرير من سيناريو خطير يتمثل في استمرار الاستنزاف، ما قد يؤدي إلى فوضى إقليمية، واضطرابات في أسواق الطاقة، وتدفقات لاجئين، وتصاعد التنافس الدولي على النفوذ.
ويشدد التحليل على أن نهاية الحرب لن تعني نهاية الصراع، بل انتقاله إلى مرحلة منع إعادة بناء القدرات الإيرانية، مع استمرار التوتر في عدة ساحات مثل لبنان والعراق وسوريا والبحر الأحمر. كما يلفت إلى أن دول الخليج، رغم رغبتها في كبح إيران، تخشى في الوقت ذاته من انهيارها أو استمرار الحرب، وتسعى إلى تحقيق توازن بين الردع والاستقرار دون أن تتحول إلى ساحة مواجهة.
أما بالنسبة لإسرائيل، فيحذر التقرير من خطر الوقوع في مفارقة “نصر عسكري وفشل استراتيجي”، إذ إن توجيه ضربات قوية لإيران لا يكفي إذا لم يُترجم إلى نظام إقليمي يمنع إعادة بناء قدراتها. وفي حال غياب هذا الإطار، قد تستمر إيران في إعادة بناء قوتها سرًا، بينما يبقى الشرق الأوسط ساحة مفتوحة لصراعات متعددة تشمل حزب الله والحوثيين والفصائل في العراق، إضافة إلى تنافس إقليمي ودولي متزايد.
ويخلص التقرير إلى أن الهدف الواقعي لا يتمثل في إسقاط النظام الإيراني، بل في تقييد قدراته الاستراتيجية على المدى الطويل، وهو ما يتطلب التزامًا أمريكيًا وشراكة إقليمية. كما يؤكد أن التعاون الأمني مع الدول العربية قد يكون أكثر قابلية للتحقق في المرحلة الحالية من مسارات التطبيع السياسي، مشيرًا إلى أن هذه الدول تتحرك وفق حسابات الردع والمصالح، وليس بدوافع سياسية أو أيديولوجية.
المصدر:
معهد دراسات الأمن القومي – “من إنجاز عسكري إلى تسوية إقليمية”، 29 مارس 2026، بقلم أودي ديكل.









