تعيش الحركة الوطنية الأسيرة في هذه الأيام أحلك فتراتها وأكثرها دموية على الإطلاق، حيث لم يعد الخبر مجرد اعتقال أو تنكيل، بل أصبحت البيانات الرسمية تتحدث عن أعداد متصاعدة من الشهداء الذين يرتقون داخل غياهب السجون والمعسكرات السرية.
أعلن نادي الأسير الفلسطيني، في بيان مثقل بالألم والبيانات الإحصائية المرعبة، عن ارتفاع عدد شهداء الحركة الأسيرة منذ بدء حرب الإبادة الجماعية إلى 89 شهيداً ممن عُرفت هوياتهم، وذلك عقب استشهاد الأسير مروان حرز الله من مدينة نابلس، والذي ارتقى يوم أمس نتيجة ظروف احتجاز قاسية تفتقر لأدنى المقومات البشرية، ليكون شاهداً جديداً على حجم الجريمة المرتكبة خلف القضبان الإسرائيلية التي أصبحت تعمل خارج نطاق القانون الدولي والإنساني.
ضحايا غزة: بين مقصلة التعذيب وظلام الإخفاء القسري
إن الأرقام المعلنة تشير بوضوح إلى استهداف ممنهج لأبناء قطاع غزة، حيث بلغت حصيلة الشهداء من معتقلي القطاع 52 معتقلاً من أصل 89 منذ تشرين الأول/ أكتوبر، وهذا الرقم يمثل فقط من تمكنت المؤسسات الحقوقية من حصر هوياتهم وتوثيق استشهادهم.
وأكد نادي الأسير أن هناك أعداداً كبيرة من معتقلي غزة استُشهدوا ولا يزالون رهن جريمة الإخفاء القسري، حيث يرفض الاحتلال الإفصاح عن مصيرهم أو أماكن احتجازهم أو حتى أسماء المتوفين منهم. وما يزيد المشهد قتامة هو وجود عشرات آخرين جرى إعدامهم ميدانياً لحظة الاعتقال، وهي جرائم حرب مكتملة الأركان يسعى الاحتلال لإخفاء معالمها من خلال احتجاز الجثامين ومنع اللجان الدولية من الوصول إلى مراكز التحقيق والاحتجاز العسكرية.
أدوات الموت الممنهج: كيف يقتل الاحتلال الأسرى بدم بارد؟
لم يعد الموت في السجون نتيجة طبيعية لظروف استثنائية، بل هو نتاج سياسة مدروسة وممنهجة يتبعها الاحتلال للنيل من كرامة وجسد الأسير الفلسطيني. وبحسب توثيق نادي الأسير، فإن الشهداء ارتقوا نتيجة حزمة من الجرائم الوحشية، تصدرتها عمليات التعذيب الجسدي العنيف الذي يترك آثاراً لا تُمحى، إضافة إلى سياسة التجويع التي حوّلت أجساد المعتقلين إلى هياكل عظمية تفتقر للطاقة الأساسية للبقاء.
كما يلعب الإهمال الطبي المتعمد دوراً محورياً في تصفية الأسرى، حيث يُحرم المرضى من الأدوية الأساسية والعمليات الجراحية العاجلة. وتصاعدت في الآونة الأخيرة تقارير صادمة حول الاعتداءات الجنسية الممنهجة والاحتجاز في ظروف مهينة تمس الكرامة الإنسانية، مما حول السجون إلى "مسالخ بشرية" تهدف إلى القتل المعنوي والجسدي معاً.
شواهد حية: جثامين الأسرى كدليل إدانة دولي
لقد كشفت جولات تسليم جثامين الأسرى ورفاتهم، التي تمت عقب اتفاقيات وقف إطلاق النار الجزئية أو عمليات التبادل، عن حقائق يندى لها الجبين؛ حيث ظهرت على الأجساد علامات واضحة لعمليات إعدام خارج إطار القانون، وآثار قيود وسحل وضرب مبرح أدى إلى تهتك في الأعضاء الحيوية.
هذه الصور والوثائق الطبية التي جُمعت، تُعد دليلاً دامغاً على أن ما يحدث داخل السجون ليس مجرد تجاوزات فردية، بل هو نهج مؤسساتي تديره منظومة أمنية وقضائية إسرائيلية توفر الغطاء الكامل للقتلة. ويشدد نادي الأسير على أن هذه المرحلة هي "الأكثر دموية" في تاريخ الحركة الأسيرة، حيث تجاوزت أعداد الشهداء في أشهر معدودة ما كان يُسجل في عقود كاملة من الصراع.
تاريخ من الاستنزاف: حصيلة الشهداء منذ عام 1967
عند العودة إلى السجل التاريخي للحركة الأسيرة، نجد أن عدد الشهداء الذين عُرفت هوياتهم منذ عام 1967 قد ارتفع إلى 326 شهيداً، مما يعكس صراعاً طويلاً ومستمراً من أجل الحرية دفع ثمنه الفلسطينيون من دمائهم داخل الزنازين.
والمؤلم في هذا السياق هو احتجاز الاحتلال لجثامين الشهداء كرهائن حتى بعد وفاتهم، حيث تشير الإحصاءات إلى أن عدد الشهداء الأسرى المحتجزة جثامينهم ارتفع إلى 97 شهيداً، من بينهم 86 شهيداً سقطوا منذ بدء حرب الإبادة الحالية. هذا الاحتجاز يمثل انتهاكاً صارخاً للأعراف الدينية والإنسانية والقوانين الدولية التي تفرض تسليم الموتى لذويهم لدفنهم بكرامة، وهو ما يستخدمه الاحتلال كأداة ضغط وابتزاز سياسي ونفسي ضد عائلات الأسرى.
صرخة حقوقية: نداء للتحرك الدولي العاجل
أمام هذا التغول في دماء الأسرى، يطالب نادي الأسير والمؤسسات الحقوقية الفلسطينية بضرورة خروج المجتمع الدولي عن صمته المريب تجاه ما يحدث في المعتقلات الإسرائيلية.
إن استمرار سياسة الإفلات من العقاب هو ما يشجع الاحتلال على ابتكار طرق جديدة للتنكيل والقتل. إن المطلوب اليوم هو تشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة للدخول إلى السجون، وخاصة معسكرات احتجاز معتقلي غزة، للوقوف على حجم الانتهاكات، والضغط من أجل الإفراج عن الجثامين المحتجزة، ووقف سياسة القتل البطيء التي تمارس بحق آلاف المعتقلين الذين يواجهون مصيراً مجهولاً كل يوم.










