12 يونيو 2026|القاهرة 28 °

د. إبراهيم جلال فضلون يكتب: العراق والدولة السائلة

نعيش اليوم في ذروة ما يُعرف بـ "المخاض الإقليمي الكبير"، خاصة بعد اندلاع المواجهة المباشرة (الولايات المتحدة/إسرائيل ضد إيران) في 28 فبراير 2026، والتي غيرت قواعد الاشتباك التقليدية في العراق.

بقلم: د. إبراهيم جلال فضلون
٣٠ مارس ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
14 مشاهدة
العراق

العراق

نعيش اليوم في ذروة ما يُعرف بـ "المخاض الإقليمي الكبير"، خاصة بعد اندلاع المواجهة المباشرة (الولايات المتحدة/إسرائيل ضد إيران) في 28 فبراير 2026، والتي غيرت قواعد الاشتباك التقليدية في العراق.

عند وضع المشهد الحالي في مارس 2026 مقابل حقبة الثمانينيات والتسعينيات، نجد تحولاً جذرياً في كيفية تعامل واشنطن مع الجغرافيا السياسية العراقية من مركزية القرار لمقابل "تعدد الرؤوس" ففي عهد صدام حسين: كان العراق يمثل "الدولة الصلبة"، حيث كان القرار العسكري والسياسي يصدر من نقطة واحدة، لا يمكن تدخل الولايات المتحدة أو إيران في تحريك "عنصر واحد" داخل الأراضي العراقية دون اصطدام مباشر مع الآلة الأمنية للدولة و"خصم واضح" يمتلك رابع أكبر جيش في العالم (بمقاييس ذلك الوقت)، مما جعل أي تدخل عسكري يتطلب تحالفات دولية كبرى (1991 و2003).

أما الأن يعيش العراق حالة "الدولة السائلة" ، فأميركا اليوم لا تحتاج لجيوش جرارة لتغيير معادلة، بل تستخدم "المشرط الجراحي"، حيثُ تسيطر على "منصة الخصم الإلكترونية" للدولار في البنك المركزي العراقي، وتنفذ ضربات "دقيقة" ضد قيادات الفصائل دون الحاجة لإعلان حرب شاملة، لأن السيادة "مجتزأة" بين الحكومة، والفصائل، والتواجد الأجنبي.

 

إدارة التوازن بين "فكي الكماش" (واشنطن وطهران)

​تتبع حكومة بغداد حالياً ما أسميه "دبلوماسية البقاء الرقمي"، فلم يعد التوازن مجرد تصريحات، بل أصبح صراعاً على الأرقام، بداية من الأخضر أي ​ورقة الدولار مقابل الطاقة إذ لا يزال العراق يعتمد بنسبة 40% من طاقته الكهربائية على الغاز المستورد، بينما تفرض الخزانة الأمريكية قيوداً مشددة على تحويلات "الدولار" التي طالت 32 بنكاً عراقياً (بزيادة عن 2024) لمنع وصولها إلى شبكات الظل.

​وهُنا نجد الموازنة الانفجارية للحكومة العراقية الحالية 2026، تبلغ نحو 160 مليار دولار، مع عجز تخطيطي يصل إلى 45 مليار دولار. الحكومة تحاول إرضاء القوى الحليفة لإيران عبر تمويل هيئة الحشد الشعبي (التي ارتفعت مخصصاتها بنسبة 15% مقارنة بـ 2025)، وفي الوقت نفسه تستجدي واشنطن لاستثناءات في قطاع الطاقة والتحويلات المالية.

​وفي ظل الحرب المستعرة (حسب المعطيات الراهنة لعام 2026)، ستجد بغداد نفسها أمام ضغط إيراني غير مسبوق لتحويل الأراضي العراقية إلى "عمق استراتيجي للتعويض"، مقابل تهديد أمريكي بقطع النظام المصرفي العراقي (Swift) نهائياً إذا لم يتم تحييد الفصائل.

مقارنة استراتيجية: تحولات الدولة العراقية بين "الحصار الشامل" و"ارتهان الدولار"

وجه المقارنة

حقبة صدام حسين (ما قبل 2003)

واقع العراق (مارس 2026)

أداة الضغط الدولي

الحصار الشامل: عزل اقتصادي فيزيائي عبر برنامج "النفط مقابل الغذاء" تحت إشراف أممي مباشر.

سلاح الفيدرالي: التحكم الرقمي والتقني في تدفقات "الدولار النقدي" والمنصة الإلكترونية لتحجيم الحركة المالية.

بنية الخصم العسكري

جيش نظامي كلاسيكي: مؤسسة عسكرية بمليون جندي، تعتمد التسلسل الهرمي والعقيدة القومية الموحدة.

القوى الهجينة: مزيج من الجيش الرسمي و"فصائل" مسلحة ذات مرجعيات أيديولوجية وولاءات عابرة للحدود.

النفوذ الإيراني

المواجهة الصفرية: العراق بصفته "السد المنيع" في وجه تصدير الثورة (إرث حرب الثمان سنوات).

التداخل العضوي: طهران كلاعب داخلي وشريك تجاري وأمني وسياسي، وتداخل كامل في مفاصل القرار.

السيادة الجوية

مناطق حظر الطيران: تقييد السيادة بقرارات دولية (خطوط العرض 32 و36) لمنع طيران الجيش العراقي.

السماء المكشوفة: استباحة تقنية عبر "حروب الدرونات" والعمليات الجراحية النوعية في ظل غياب منظومات الردع.

 

فرض السيادة ومنع "المنطلقات الإقليمية" من استغلال الحرب فالقوات المسلحة العراقية (الجيش وجهاز مكافحة الإرهاب) حققت تقدماً نوعياً، لكن "السيادة الجوية" تظل الثغرة الكبرى، وفق ​إحصائيات الهجمات (مارس 2026) ورُصد انطلاق أكثر من 40 طائرة مسيرة وصاروخ من الأراضي العراقية باتجاه أهداف إقليمية منذ بداية الشهر الجاري فقط. مع ​عجز المنظومات، رغم شراء رادارات فرنسية (Thales)، إلا أن العراق لا يزال يفتقر لمنظومة اعتراض قادرة على منع الطيران الأجنبي أو الفصائل المسلحة من استخدام الأجواء، مما يجعل الدولة "طرفاً رغماً عنها".

وقفة: إن المقارنة التاريخية تكشف أن العراق انتقل من كونه "لاعباً إقليمياً مهيمناً" يخشى الجميع الاصطدام بكتلته الصلبة، إلى "ساحة اشتباك إقليمية" يستثمر فيها الخصوم (أمريكا وإيران) ثغرات النظام السياسي الهجين، وإذا استمر هذا الشرخ بين القوة العسكرية الرسمية والقوى الموازية، فإن العراق يتجه نحو "تدويل أمني" جديد بحلول نهاية 2026، حيث قد تُفرض وصاية مالية وتقنية أشد صرامة من قِبل المؤسسات الدولية، لإعادة ضبط التوازن الذي فُقد منذ لحظة سقوط "الدولة المركزية".

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. إبراهيم جلال فضلون

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير