20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

د. ليون سيوفي يكتب: بين الانتماء والكراهية… من يسرق الإنسان من إنسانيّته؟

لم يُولَد الإنسان وهو يُصنِّف النّاس إلى طوائف ومذاهب، ولا وهو يحمل في قلبه حُكماً مُسبقاً على الآخر. بل وُلد حُرّاً، بسيطاً، يرى في الإنسان إنساناً… قبل أن تُسرَق منه هذه البساطة، وتُعاد صياغته داخل قوالب ضيّقة تُحدّد له من يُحِب ومن يكره، من يثق به ومن يخشاه.

بقلم: د. ليون سيوفي
٣٠ مارس ٢٠٢٦
4 دقائق قراءة
12 مشاهدة
د. ليون سيوفي يكتب: بين الانتماء والكراهية… من يسرق الإنسان من إنسانيّته؟

د. ليون سيوفي يكتب: بين الانتماء والكراهية… من يسرق الإنسان من إنسانيّته؟

لم نُخلَق لِنَكرَه… لكننا تَعلّمنا ذلك.
لم يُولَد الإنسان وهو يُصنِّف النّاس إلى طوائف ومذاهب، ولا وهو يحمل في قلبه حُكماً مُسبقاً على الآخر. بل وُلد حُرّاً، بسيطاً، يرى في الإنسان إنساناً… قبل أن تُسرَق منه هذه البساطة، وتُعاد صياغته داخل قوالب ضيّقة تُحدّد له من يُحِب ومن يكره، من يثق به ومن يخشاه.
فمتى حدث ذلك؟
متى تحوّل الانتماء، الذي كان يُفترض أن يكون مصدر غِنى، إلى أداة صِراع؟  
ومتى أصبح الاختلاف لعنة، بدل أن يكون تنوّعاً؟
الحقيقة المؤلمة أنّ ما نعيشه اليوم ليس قدراً، ولا نتيجة دين، ولا حتميّة تاريخ… بل نتيجة استثمارٍ طويلٍ في الانقسام.
نعم، الانقسام لم يبدأ اليوم، لكنه أيضاً لم يكن يوماً بهذا العُمق… ولا بهذا الشكل المُمنهج.
لقد تعلّمنا، جيلاً بعد جيل، أن نخاف من بعضنا،  
أن نشكّ ببعضنا،  أن نرى في الآخر تهديداً… لا شريكاً.
تعلّمنا ذلك في بيوتنا، في مدارسنا، في إعلامنا، وفي خطابٍ سياسي لم يُرِد لنا يوماً أن نلتقي… لأن لقاءنا يُسقِط كثيراً من المصالح.
فالكراهية، في كثيرٍ من الأحيان، ليست شعوراً عفوياً…  
بل صناعةٌ مُتقَنة.
صناعة تحتاج إلىرخوفٍ دائم،  وعدوٍّ دائم،  
وسرديّةٍ تُعيد إنتاج نفسها كل يوم.
والمأساة الأكبر، أنّ هذه الكراهية لم تَعُد فقط بين الطوائف…  بل أصبحت داخل الطائفة نفسها.
انقسامٌ داخل الانقسام، وصراعٌ داخل الصراع،  
حتى بات الإنسان يُحارِب أخاه… باسم نفس الهوية، ونفس الشعارات، ونفس القناعات.
وهنا، نسأل بصدق هل المشكلة في الدين؟  
أم فيمن يستخدم الدين؟
الدين، في جوهره، دعوة إلى القيم، إلى العدالة، إلى الرحمة، إلى الإنسان.  
لكن حين يُختَطَف، يتحوّل إلى أداة تعبئة… لا أداة هداية،  
وإلى وسيلة تقسيم… لا مساحة لقاء.
وحين تُختَزَل الهوية في صراع، يفقد الإنسان قدرته على رؤية الحقيقة، ويتحوّل إلى جزءٍ من معركة لا يعرف حتى لماذا بدأت، ولا إلى أين ستنتهي.
أيّ وطنٍ هذا الذي نُريده؟  
وطنٌ يجمعنا… أم ساحة تُفرّقنا؟
وأيّ مستقبلٍ ننتظر، إذا كنّا نُربّي أبناءنا على الخوف بدل الثقة، وعلى الكراهية بدل المعرفة،  
وعلى الانغلاق بدل الانفتاح؟
إنّ أخطر ما نعيشه اليوم، ليس الانقسام بحد ذاته…  
بل الاعتياد عليه.
أن يُصبح طبيعياً، أن يُصبح مبرَّراً، أن يُصبح جزءاً من هويتنا.
هنا، يسقط الإنسان… قبل أن يسقط الوطن.
لكن الحقيقة التي يجب أن تُقال...لسنا مجبرين على الاستمرار في هذا الطريق، ولسنا أسرى تاريخٍ لا يمكن تغييره، ولا ضحايا حتميّةٍ لا مفرّ منها.
نحن فقط أسرى سرديّاتٍ لم نُحاول أن نكسرها،  
وأفكارٍ ورثناها دون أن نُخضعها للسؤال، ومخاوف سُكِبَت في وعينا حتى صدّقنا أنها جزءٌ منّا.
كسر هذا الواقع لا يبدأ بشعار، ولا بخطابٍ عاطفي، ولا بمواقف موسمية…  بل بقرار.
قرار أن نرى بعضنا خارج القوالب الجاهزة،  
قرار أن نُميّز بين الاختلاف والخطر،  
قرار أن نُحاسِب من يزرع الخوف… لا من يختلف معنا،  
قرار أن نرفض أن نكون أدواتٍ في صراعاتٍ لا تُشبه مستقبلنا.
قرار أن نُعيد تعريف قوّتنا، لا كطائفة… بل كوطن.
لبنان لا يُنقَذ بطائفةٍ تنتصر على أخرى، ولا بجماعةٍ تُقصي أخرى، ولا بخطابٍ يُحرّض فئةً على فئة.
لبنان يُنقَذ حين ينتصر الإنسان على خوفه، حين يُدرك أنّ كرامته لا تكتمل إلا بكرامة الآخر، وأن أمنه لا يُبنى على قلق غيره، وأن مستقبله لا يُصنع فوق أنقاض شريكه في الوطن.
حين ينتصر الإنسان على خوفه…  
تسقط كل الجدران التي بُنيت داخله، قبل أن تسقط تلك التي بُنيت حوله.
السؤال اليوم ليس!من المُخطئ؟  
ولا من بدأ؟  
ولا حتى من يربح؟
السؤال الحقيقي هو من يملك الشجاعة ليكسر هذه الحلقة؟
من يجرؤ أن يقول كفى؟  
من يرفض أن يُورّث الكراهية لأبنائه؟  
من يُدرك أن الوطن لا يُبنى بالخوف… بل بالثقة؟
فإمّا أن نبقى أسرى كراهيةٍ لا تمثلنا ..ونعيد إنتاجها جيلاً بعد جيل، ونغرق أكثر في انقسامات لا نهاية لها…
أو نعود كما خُلِقنا بشرًا… قبل أي شيء آخر.
وهنا يبدأ الطريق..

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. ليون سيوفي

د. ليون سيوفي ، باحث وكاتب سياسي ومرشح سابق لرئاسة الجمهورية اللبنانية

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. ليون سيوفي يكتب: بين الانتماء والكراهية… من يسرق الإنسان من إنسانيّته؟ - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°