أكد الباحث في الشأن الإقليمي، محمد عودة الأغا، في حديث خاص لموقع "180 تحقيقات"، أن المؤشرات الميدانية الحالية ترجح بوضوح دخول المنطقة في نمط "حرب استنزاف مركبة" بدلاً من المواجهات العسكرية الحسمية والسريعة.
وأوضح محمد عودة الأغا أن هذا التحول يعود بشكل أساسي إلى طبيعة الاستراتيجية الإيرانية القائمة على مبدأ "التصعيد المتدرج الشامل"، حيث تعتمد طهران على توسيع الجغرافيا أفقياً لتشمل جبهات مشتعلة في لبنان واليمن والبحر الأحمر، وتوسيع نوع الأهداف عمودياً ليشمل المسارات العسكرية والاقتصادية على حد سواء.
ويرى محمد عودة الأغا أن الهدف من هذا النمط ليس تحقيق انتصار خاطف، بل رفع كلفة الحرب على الخصم إلى مستويات غير مسبوقة، مستفيدة من شبكة صراع لا مركزية تضم أطرافاً فاعلة مثل الحوثيين وحزب الله، مما يجعل الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة أوراق قوة متعددة وموزعة تهدف لإطالة أمد الصراع واستنزاف البنية التحتية الاقتصادية كجزء أصيل من العقيدة القتالية الإيرانية في إدارة الأزمات الإقليمية الكبرى.
اختراق المنظومات الدفاعية: حسابات "الإغراق العددي" وكلفة الاعتراض الفلكية
وفيما يتعلق بمدى نجاح الصواريخ والمسيرات الإيرانية في اختراق الأجواء، قدم الباحث محمد عودة الأغا إجابة دقيقة تصف الواقع بأنه "اختراق جزئي محسوب" وليس انهياراً كاملاً للمنظومات الدفاعية، مشيراً إلى أنه رغم تحقيق نسب اعتراض مرتفعة تصل إلى 90%، إلا أن بعض الصواريخ نجحت بالفعل في إصابة أهداف داخل العمق الإسرائيلي وأحدثت أضراراً وإصابات ملموسة. ويوضح محمد عودة الأغا أن منظومات الاعتراض المتطورة مثل "القبة الحديدية" و"حيتس" ليست محصنة بالكامل أمام تكتيك "الإغراق العددي" وتنوع وسائط الهجوم التي تستخدمها إيران لتشتيت الرادارات، لكن الأهم من الفشل التقني هو "الحساب الاقتصادي".
حيث يشير محمد عودة الأغا إلى أن تكلفة اعتراض صاروخ واحد قد تصل إلى مئات آلاف الدولارات، في حين أن تكلفة الصاروخ المهاجم أو المسيرة أرخص بكثير، مما يخلق حالة من الاستنزاف المالي المستمر للخزينة الدفاعية للخصم ويجعل من استمرار الرشقات الصاروخية سلاحاً اقتصادياً فتاكاً على المدى البعيد.
فرضيات التدخل البري: تعقيدات الجغرافيا وخطر الحرب الإقليمية الشاملة
وحول احتمالات التصعيد نحو مواجهة مباشرة أو تدخل بري، يرى محمد عودة الأغا أن مؤشرات التصعيد موجودة بالفعل في ظل التقارير التي تتحدث عن تخطيط أمريكي لعمليات برية محدودة وتهديدات بضرب المنشآت الحيوية الإيرانية، إلا أنه لا يزال يستبعد سيناريو التدخل البري الشامل في الوقت الراهن.
ويعزو محمد عودة الأغا هذا الاستبعاد إلى التكلفة العالية جداً لمثل هذه المغامرة، نظراً لتعقيد وضخامة الجغرافيا الإيرانية وامتلاك طهران لشبكة صواريخ ومنشآت حصينة تحت الأرض يصعب تحييدها بسهولة.
كما حذر محمد عودة الأغا من أن أي خطوة غير مدروسة نحو التدخل البري قد تؤدي إلى انفجار الحرب إقليمياً بشكل شامل لا يمكن السيطرة عليه، مما يجعل القوى الدولية تفضل البقاء ضمن حدود الضربات الجوية أو العمليات المحدودة بدلاً من الانزلاق إلى مستنقع بري طويل الأمد، مؤكداً أن قواعد الاشتباك الحالية تظل محكومة بحسابات الربح والخسارة وكلفة التورط في صراع مفتوح قد يغير وجه المنطقة بالكامل.
إدارة الصراع بين "الاستنزاف" والخطوط الحمراء الدولية
يختتم الباحث محمد عودة الأغا رؤيته بالتأكيد على أن المنطقة تعيش مرحلة "عض أصابع" استراتيجية، حيث يسعى كل طرف لإظهار قدرته على الصمود لفترة أطول دون الانزلاق الكامل نحو الانهيار الشامل، مشدداً على أن استهداف البنية التحتية الاقتصادية سيظل الورقة الأقوى في يد إيران لإطالة أمد المواجهة وتحويلها إلى عبء مالي وأمني مستمر على واشنطن وتل أبيب.
ويرى محمد عودة الأغا أن المستقبل القريب سيبقى محكوماً بقدرة منظومات الاعتراض على الصمود أمام موجات "الإغراق" المتزايدة، ومدى قدرة الأطراف الإقليمية على ضبط النفس تحت ضغط الضربات "المحسوبة" التي تلامس الخطوط الحمراء دون تجاوزها تماماً.
فالصراع اليوم، بحسب قراءة محمد عودة الأغا، هو صراع إرادات وتكنولوجيا واقتصاد، حيث لم تعد القوة العسكرية وحدها هي المعيار، بل القدرة على تحمل كلفة الاستنزاف الطويل في بيئة إقليمية بالغة التعقيد والخطورة، مما يفتح الباب أمام تساؤلات كبرى حول نهاية هذا المسار التصعيدي في ظل غياب أي أفق للحلول السياسية الحاسمة.










