20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

د. أسعد العويوي يكتب: ماركو روبيو وازدواجية القانون الدولي.. عدالة تُطبَّق على الخصوم وتُدفن عند حلفاء واشنطن

في عالمٍ يُفترض أن يكون فيه القانون الدولي ميزانًا للعدالة، يبدو أن هذا الميزان قد اختلّ، أو ربما أُعيدت معايرته بما يخدم الأقوياء فقط.

بقلم: د. أسعد العويوي
٣١ مارس ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
9 مشاهدة
ماركو روبيو

ماركو روبيو

في مقابلة تلفزيونية على قناة الجزيرة (القطرية) بدت للوهلة الأولى تقليدية، خرج وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو ليجدد دعوته إلى ضرورة التزام إيران بالقانون الدولي. كلمات محسوبة، نبرة حازمة، ورسالة واضحة: النظام الدولي يجب أن يُحترم. لكن، وكما جرت العادة، لم تمر هذه التصريحات دون أن تفتح بابًا واسعًا من التساؤلات، بل وربما الاتهامات.

ففي الجهة الأخرى من المشهد، يقف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو،الذي تُوجَّه إلى حكومته منذ سنوات طويلة انتقادات متكررة بشأن سياسات تتعلق بالأراضي الفلسطينية. قرارات صادرة عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن ومجلس حقوق الإنسان، وتقارير منظمات حقوقية دولية، كلها تشير إلى إشكاليات قانونية لم تُحسم، بل تتفاقم مع مرور الوقت.

لكن هذه المرة، لم يعد الجدل محصورًا في التصريحات أو المواقف السياسية فقط، بل امتد إلى وقائع دامية على الأرض. فقد شهدت الأراضي الفلسطينية، خاصة في قطاع غزة، موجات من العنف خلفت أعدادًا كبيرة من الضحايا المدنيين، بينهم نساء وأطفال. هذه الأحداث وصفتها جهات عديدة بأنها قد ترقى إلى انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، بل واعتبرها البعض “مجازر” تستوجب المساءلة الدولية.

في هذا السياق، برز دور محكمة العدل الدولية التي أصدرت أوامر مؤقتة تدعو إلى حماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية، في إطار قضايا مرتبطة بالوضع في غزة. كما دخلت Iمحكمة الجنايات الدولية على الخط، حيث شهدت تحركات قانونية وتحقيقات تتعلق بجرائم محتملة، مع مطالبات بمحاسبة مسؤولين، من بينهم قيادات إسرائيلية على رأسها نتنياهو.

هنا يبدأ التناقض الذي يثير الجدل: كيف يمكن لقوة عظمى أن ترفع لواء القانون الدولي في وجه خصومها، بينما تُتَّهم في الوقت ذاته بغض الطرف عن ممارسات حلفائها؟

هل نحن أمام قانون دولي واحد… أم نسخ متعددة تُستخدم حسب الحاجة؟

الواقع أن السياسة الدولية لم تكن يومًا ساحة نقية للعدالة المجردة. المصالح، التحالفات، وموازين القوى، كلها عوامل تعيد تشكيل معنى “القانون” في كل مرة يُطرح فيها. في واشنطن، يُنظر إلى إسرائيل كحليف استراتيجي لا يمكن التفريط به. وفي المقابل، تُعتبر إيران خصمًا إقليميًا ودوليًا، ما يجعل الخطاب السياسي يأخذ منحى مختلفًا تمامًا.

لكن في الشارع العربي، وفي أوساط واسعة من الرأي العام العالمي، تتراكم مشاعر الازدواجية. صور الدمار، شهادات الناجين، وقرارات المحاكم الدولية، كلها تتداخل لتخلق رواية بديلة، ترى أن العدالة الدولية أصبحت انتقائية، تُطبَّق بحزم هنا، وتُؤجَّل هناك.

المفارقة الأكبر أن القانون الدولي نفسه، الذي يُفترض أن يكون مرجعًا ثابتًا، أصبح محل تفسير متباين. فكل طرف يقرأ النصوص وفق مصالحه، ويستند إلى الشرعية حين تخدم موقفه، ويتجاهلها حين تعيق حركته.

في عالم تُكتب فيه القوانين بحبر السياسة، لا يبدو السؤال الحقيقي هو: من يلتزم بالقانون الدولي؟

بل: من يملك حق تعريفه أصلًا؟

وبين صرخات الضحايا، وقرارات المحاكم، وصمت القوى الكبرى، تبقى الحقيقة معلقة… تنتظر عدالة لا تُقاس بميزان القوة، بل بميزان واحد لا يتغير.

في عالمٍ يُفترض أن يكون فيه القانون الدولي ميزانًا للعدالة، يبدو أن هذا الميزان قد اختلّ، أو ربما أُعيدت معايرته بما يخدم الأقوياء فقط. تصريحات ماركو روبيو لا تعكس مجرد موقف سياسي عابر، بل تكشف نهجًا راسخًا في التعامل الانتقائي مع القوانين الدولية؛ نهجٌ يُدين الخصوم بلا تردد، ويُبرر أو يتجاهل انتهاكات الحلفاء مهما بلغت فداحتها.

ومع استمرار تجاهل قرارات محكمة العدل الدولية، وتحركات ومحكمة الجنايات الدولية ، تتآكل مصداقية النظام الدولي أمام أعين العالم. فالقضية لم تعد مجرد خلاف سياسي، بل اختبار حقيقي لجوهر العدالة العالمية.

في عالمٍ يُفترض أن يكون فيه القانون الدولي بوابةً للعدالة، لم يعد كافيًا الاكتفاء بالتصريحات أو القرارات غير المُنفّذة. فالمسألة لم تعد قانونية مجردة، بل باتت مرتبطة جوهريًا بحق الشعوب في الحرية والانعتاق من الاحتلال. إن تجاهل قرارات محكمه العدل الدولية ، وتعطيل مسارات المساءلة في محكمه الجنايات الدولية ، لا يعني فقط إضعاف هيبة القانون الدولي، بل يعني إطالة أمد المعاناة وحرمان شعبٍ كامل من أبسط حقوقه.

تصريحات ماركو روبيو، حين تُطبَّق بانتقائية، تُفرغ مفهوم العدالة من مضمونه، وتحوّله إلى أداة سياسية لا أكثر. وفي المقابل، فإن تحقيق العدالة الحقيقية لا يمكن أن ينفصل عن إنهاء الاحتلال، ولا عن تمكين الشعب الفلسطيني من نيل حريته الكاملة على أرضه.

فالعدالة ليست نصوصًا تُكتب، ولا قرارات تُؤرشف… بل واقعٌ يُنتزع حين تُكسر قيود الظلم. وحين تُطبَّق العدالة دون انتقائية، فقط عندها يمكن لوزير خارجيه الولايات المتحدة روبيو أن يتحدث بصدق عن حرية، لا عن شعارات.

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. أسعد العويوي

الدكتور أسعد العويوي، أستاذ العلوم السياسية والقضية الفلسطينية في جامعة القدس.

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. أسعد العويوي يكتب: ماركو روبيو وازدواجية القانون الدولي.. عدالة تُطبَّق على الخصوم وتُدفن عند حلفاء واشنطن - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°