20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

مشانق العدالة المزعومة: حين يتحوّل القانون إلى أداة انتقام في إسرائيل

شهد الكنيست في إسرائيل خلال السنوات الأخيرة تسارعًا ملحوظًا في مسار يُوصف بالانقلاب على المنظومة القانونية، تزايد زخمه في ظل أجواء الحرب

بقلم: أخبار ومتابعات
١ أبريل ٢٠٢٦
4 دقائق قراءة
24 مشاهدة
مشانق العدالة المزعومة: حين يتحوّل القانون إلى أداة انتقام في إسرائيل

مشانق العدالة المزعومة: حين يتحوّل القانون إلى أداة انتقام في إسرائيل

 

شهد الكنيست في إسرائيل خلال السنوات الأخيرة تسارعًا ملحوظًا في مسار يُوصف بالانقلاب على المنظومة القانونية، تزايد زخمه في ظل أجواء الحرب، حيث تُستغل اللحظة الأمنية لتمرير تشريعات مثيرة للجدل. وفي قلب هذا المسار، تعود عقوبة الإعدام إلى الواجهة بوصفها أحد أخطر مؤشرات التراجع عن القيم الليبرالية التي طالما ادّعت إسرائيل تبنّيها.

وفي مقال مردخاي كرمنتسر يقول، دوليًا، يُعد إلغاء عقوبة الإعدام من أبرز منجزات مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وقد تبنّته غالبية الديمقراطيات تعبيرًا عن احترام الحق في الحياة. وكانت إسرائيل قد خطت في هذا الاتجاه مبكرًا بإلغائها العقوبة في جرائم القتل عام 1954، واستبدالها بالسجن المؤبد الإلزامي، إلى جانب اعتماد سياسة قضائية امتنعت عمليًا عن تطبيقها، باستثناء الجرائم المرتبطة بالنازية.

نصوص معطّلة تُستدعى

ورغم بقاء نصوص قانونية تُجيز الإعدام في حالات استثنائية—مثل الجرائم ضد الإنسانية أو أمن الدولة أو بعض الأفعال المصنّفة “إرهابية”—فإنها ظلت لعقود حبراً على ورق. هذا الامتناع لم يكن عفويًا، بل عكس توجّهًا واعيًا لتجنّب الانزلاق نحو ممارسات تتعارض مع المعايير الأخلاقية الدولية.

غير أن التحولات السياسية الأخيرة، مع صعود تيارات أكثر تشددًا، تشير إلى انقلاب واضح على هذا النهج، ومحاولة إحياء تلك النصوص وتفعيلها.

من الانضباط إلى منطق الانتقام

التوجهات الجديدة تدفع نحو استبدال الانضباط القانوني بنزعة عقابية حادّة، تُبرَّر أحيانًا بخطاب أمني، لكنها تحمل في جوهرها ملامح انتقامية. ولا يقتصر الأمر على إعادة طرح العقوبة، بل يتعداه إلى إعادة تعريف دور القانون ذاته: من أداة لتحقيق العدالة إلى وسيلة للردع الصارم، وربما للتعبئة السياسية.

ويحذّر هذا الطرح من أن مثل هذه السياسات قد تأتي بنتائج عكسية، إذ يمكن أن تُستخدم دعائيًا من قبل الخصوم، فتُقلّص الفجوة الأخلاقية التي تسعى الدولة إلى إبرازها.

أخطاء لا تُغتفر

تتميّز عقوبة الإعدام بأنها غير قابلة للتراجع، ما يجعل أي خطأ قضائي كارثيًا. وتجارب سابقة أظهرت أن الأنظمة القضائية، مهما بلغت دقتها، ليست بمنأى عن الأخطاء، خاصة في سياقات مشحونة سياسيًا وأمنيًا.

ومع تصاعد الخطاب المتشدد ونزع الإنسانية عن الخصوم، تتزايد المخاوف من أن تتغلب الرغبة في العقاب على معايير العدالة، بما يرفع احتمالات إصدار أحكام خاطئة لا يمكن تصحيحها.

تعديلات تُوسّع دائرة الخطر

لا تقف المبادرات المطروحة عند حدود إعادة تفعيل العقوبة، بل تشمل أيضًا توسيع نطاق تطبيقها وتقليص الضمانات القضائية المرتبطة بها. ومن بين المقترحات المطروحة تخفيف شروط إصدار الحكم، وتسريع إجراءات التنفيذ، والحد من إمكانيات تخفيف العقوبة.

مثل هذه التعديلات، التي تتعارض مع روح القانون الدولي، تعني عمليًا زيادة احتمالات الخطأ وتعميق تداعياته.

شبهة التمييز

تثير بعض بنود هذه التشريعات مخاوف من طابع تمييزي في التطبيق، إذ يُخشى أن تُوجَّه بشكل أساسي نحو فئات بعينها، في ظل تعريفات فضفاضة للجرائم ودوافعها. هذا الأمر يضع المنظومة القضائية أمام اختبار حقيقي لمدى التزامها بمبدأ المساواة أمام القانون.

القانون في خدمة السياسة

تشير القراءة النقدية إلى أن الدفع بهذه القوانين لا ينفصل عن حسابات سياسية داخلية، حيث يُستخدم التشريع كأداة لتعزيز الشعبية أو لمواجهة المؤسسات القضائية. وحتى في حال الطعن في هذه القوانين أو إبطالها، فإنها قد تحقق أهدافًا سياسية عبر تأجيج الرأي العام.

جدل أمني غائب

لطالما استندت المعارضة السابقة لعقوبة الإعدام إلى تقييمات أمنية، إضافة إلى الاعتبارات الأخلاقية، خلصت إلى محدودية أثرها الردعي، بل واحتمال نتائج عكسية. إلا أن هذا البعد يبدو اليوم أقل حضورًا في النقاش، لصالح قرارات سريعة تغلب عليها الاعتبارات السياسية.

تداعيات داخلية

لا تقتصر انعكاسات هذه السياسات على الساحة الخارجية أو على الخصوم، بل تمتد إلى الداخل، حيث قد يؤدي ترسيخ منطق العقاب الأقصى إلى تآكل القيم المجتمعية، وإعادة تشكيل العلاقة بين الدولة ومواطنيها على أسس أكثر صرامة وأقل إنسانية.

قضاء على المحك

في ظل هذه التحولات، تجد السلطة القضائية نفسها أمام اختبار بالغ الحساسية: بين الحفاظ على استقلالها والالتزام بالمبادئ القانونية، أو الانخراط في موجة التغيير السياسي. كما تطرح هذه التطورات تساؤلات عميقة حول مستقبل التوازن بين السلطات، ودور القضاء في حماية الحقوق والحريات.

أخبار ومتابعات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال