في ظل تصاعد التوترات الإقليمية واستمرار العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة منذ أكتوبر 2023، تكثّف مصر من تحركاتها السياسية والدبلوماسية لضمان تثبيت مسار التهدئة ودفع الأطراف المختلفة نحو الالتزام بما يُعرف بالمرحلة الثانية من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وتأتي هذه الجهود في سياق محاولة احتواء الانفجار المستمر في قطاع غزة، وسط انتقادات متزايدة للدور الأمريكي الذي يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره شريكًا مباشرًا في إدارة الحرب وليس مجرد وسيط.
دعم مصري مباشر
أكد بدر عبد العاطي وزير الخارجية المصري دعم القاهرة الكامل لجهود نيكولاي ملادينوف، الممثل الأعلى المعني بملف غزة، مشددًا على أن هذا الدعم لا يقتصر على التصريحات، بل يمتد إلى تنسيق سياسي وأمني مستمر لضمان تنفيذ بنود المرحلة الثانية من الخطة. ويعكس هذا الموقف إدراكًا مصريًا لحساسية اللحظة، حيث تتقاطع الاعتبارات الإنسانية مع الحسابات الإقليمية المعقدة.
وفي هذا السياق، شدد بدر عبد العاطي على ضرورة الحفاظ على التركيز الدولي على الخطة، محذرًا من أن التصعيد العسكري في المنطقة قد يُستخدم كذريعة لصرف الأنظار عن الاستحقاقات الأساسية المتعلقة بوقف إطلاق النار وترتيبات ما بعده، وهو ما قد يخدم في النهاية الرواية الإسرائيلية التي تسعى إلى إطالة أمد الحرب وتفريغ أي مسار سياسي من مضمونه.
معبر رفح والمساعدات
أحد أبرز المحاور التي ركزت عليها القاهرة هو استمرار فتح معبر رفح في الاتجاهين، باعتباره شريان الحياة الأساسي لسكان قطاع غزة في ظل الحصار الخانق. وأكد وزير الخارجية أن إغلاق المعبر أو تقييد الحركة عبره يفاقم الكارثة الإنسانية التي يعيشها أكثر من مليوني فلسطيني داخل القطاع.
كما شدد على ضرورة ضمان تدفق المساعدات الإنسانية والإغاثية والطبية دون قيود أو عوائق، في إشارة واضحة إلى العراقيل التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي على دخول المساعدات، والتي وثّقتها تقارير دولية متعددة. ووفقًا لتقارير صادرة عن منظمات إنسانية، فإن حجم المساعدات التي تدخل القطاع لا يزال أقل بكثير من الحد الأدنى المطلوب لتفادي انهيار كامل للمنظومة الصحية والغذائية.
ترتيبات انتقالية معقّدة
وفيما يتعلق بطبيعة المرحلة الثانية من الخطة، أوضح وزير الخارجية المصري أن هذه الترتيبات ذات طابع مؤقت وانتقالي، ما يعني أنها لا تمثل حلًا نهائيًا، بل مرحلة تمهيدية يُفترض أن تفتح الباب أمام تسوية سياسية أشمل. إلا أن هذا الطابع المؤقت يثير تساؤلات حول مدى جدية الأطراف الدولية، وعلى رأسها أمريكا، في الدفع نحو حل دائم، خاصة في ظل الدعم المستمر للاحتلال.
كما أكد الوزير أهمية بدء اللجنة الوطنية لإدارة غزة في ممارسة مهامها من داخل قطاع غزة، في خطوة تهدف إلى إعادة بناء هياكل الإدارة المحلية بشكل تدريجي. غير أن نجاح هذه الخطوة يظل مرهونًا بمدى قدرة هذه اللجنة على العمل بحرية، بعيدًا عن الضغوط الإسرائيلية والتدخلات الخارجية.
غزة..قوة دولية ومراقبة هشة
وفي إطار ضمان تثبيت وقف إطلاق النار، شددت القاهرة على ضرورة الإسراع في نشر قوة استقرار دولية تتولى مهمة مراقبة الالتزام بالتهدئة. ويعكس هذا الطرح إدراكًا بأن أي اتفاق لوقف إطلاق النار سيظل هشًا في غياب آلية رقابة فعالة، خاصة في ظل سجل الاحتلال الإسرائيلي الحافل بخرق الاتفاقات.
لكن في المقابل، تثير فكرة نشر قوة دولية تساؤلات حول طبيعة هذه القوة، وحدود صلاحياتها، ومدى استقلالها عن الإرادة الأمريكية، التي لعبت دورًا محوريًا في صياغة مسار الحرب منذ بدايتها.
التزامات مؤجلة وانسحاب غائب
شدد وزير الخارجية المصري على أهمية التزام جميع الأطراف بتنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية، في إشارة إلى أن التعثر في تنفيذ البنود السابقة لا يزال قائمًا. ويأتي هذا التشديد في وقت تتزايد فيه الشكوك حول نوايا الاحتلال الإسرائيلي، الذي يواصل عملياته العسكرية رغم الحديث عن ترتيبات انتقالية.
وفي هذا الإطار، أعاد الوزير التأكيد على ضرورة الانسحاب الإسرائيلي الكامل من قطاع غزة، باعتباره شرطًا أساسيًا لأي مسار سياسي جاد، إلى جانب البدء في تنفيذ مشروعات التعافي المبكر لإعادة إعمار ما دمرته الحرب.
غير أن الوقائع على الأرض، كما تشير تقارير إعلامية ودولية، تعكس استمرار المجازر والانتهاكات بحق المدنيين الفلسطينيين منذ أكتوبر 2023، وهو ما يقوّض أي حديث عن انتقال حقيقي نحو الاستقرار، ويكشف زيف الرواية الإسرائيلية التي تحاول تصوير عملياتها باعتبارها دفاعًا عن النفس، بينما هي في جوهرها امتداد لسياسة ممنهجة تستهدف الأرض والإنسان.










