لَيْسَتِ الإقالاتُ في الدُّوَلِ العُظمى أحداثاً عابرة، ولا قراراتٍ إداريّة تُتَّخذ على عَجَل. في واشنطن، تحديداً، لا يُقالُ رأسُ المؤسّسة العسكريّة إلّا حين يَختلُّ التوازن بين القرار السياسي والعقل العسكري، أو حين تُصبح الحرب أقرب من أن تُدار بالآليات التقليديّة.
ما جرى ليس تفصيلاً، وما يُقال عن “إعادة تنظيم” أو “تغيير طبيعي” هو في أحسن الأحوال تبسيطٌ مُخِلّ، وفي أسوأه تضليلٌ مُتعمَّد. نحن أمام مشهدٍ واضح، صِراع داخل بنية القرار الأميركي، يتجاوز الأشخاص ليصل إلى جوهر السؤال، كيف تُدار المرحلة القادمة؟، فأميركا اليوم ليست في حالة استقرار استراتيجي، بل في حالة توتّر مُركّب:
تصعيد مفتوح مع إيران، دون قرار نهائي بالحرب
دعم غير محدود لإسرائيل، مع عجز عن ضبط إيقاع المواجهة
ارتباك في تحديد سقف الردّ، وحدود الاشتباك
وفي قلب هذا المشهد، يظهر الخلاف بالعقل العسكري الذي يحسب الكلفة والقدرة والاستنزاف، والقرار السياسي الذي يخضع للضغوط، والتحالفات، والانتخابات.
حين يُقال رأسُ الجيش، فذلك يعني أنّ أحد الطرفين قرّر أن يكسر التوازن، إمّا أن القيادة العسكرية لم تعد تُساير اندفاعة القرار السياسي، أو أنّ القرار السياسي قرّر أن يفرض رؤيته بالقوّة، وفي الحالتين، النتيجة واحدة، نحن نقترب من لحظة تحوّل.
الخطير في الأمر أنّ هذا التحوّل لا يبقى داخل الحدود الأميركية. بل ينعكس فوراً على ساحات التوتر، وأولها الشرق الأوسط، لبنان ليس بعيداً عن هذه المعادلة بل هو في صلبها، أي تغيير في العقيدة العسكرية الأميركية، أو في طريقة إدارة المواجهة مع إيران، سيُترجم مباشرةً على أرض لبنان... إمّا عبر تصعيد غير مباشر، أو عبر ضغط سياسي وأمني متزايد، أو عبر محاولة فرض وقائع جديدة تحت عنوان “الاستقرار”
لكن الحقيقة أبعد من ذلك...
ما نشهده اليوم هو بداية انتقال من مرحلة “إدارة الصراع” إلى مرحلة “حسم الاتجاه”. وهذا أخطر ما يمكن أن تمرّ به المنطقة. لأنّ الإمبراطوريات حين ترتبك، لا تنسحب بل تُغامر.
وحين تُغامر، لا تفعل ذلك بحساباتٍ باردة، بل بردود فعلٍ قد تُشعل ما لا يمكن إطفاؤه بسهولة. ومن هنا، فإنّ اللحظة لم تعد لحظة تحليل… بل لحظة وعي. وعيٌ بأنّ ما يُحضَّر في الكواليس لن يبقى هناك طويلاً، وأنّ القرار حين يُتَّخذ، لن يُستأذن أحداً.
لبنان أمام اختبارٍ جديد، لا يَحتمل التردّد ولا الأوهام. فإمّا أن يُحسن قراءة العاصفة قبل وصولها، أو يُترك ليكون ّساحةٍ تُدار عليها الحروب.
والتاريخ لا يرحم من ينتظر… بل يكتب لمن يستعدّ.
لذلك اكتب هذه الكلمة مع تنبيهٌ أخير لقادة البلاد ما يُقرأ اليوم كتصعيدٍ، قد يكون تمهيداً لما هو أكبر… فالحذر واجب، لأنّ ما لم يُحسَم بعد، قد يُفاجئ الجميع ..










