دخلت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، التي انطلقت في 28 فبراير 2026، أسبوعها الخامس لتتحول إلى حرب اقتصادية مفتوحة تستهدف البنى التحتية للطاقة والمياه بدم بارد. وفي الثامن عشر من مارس، شنت إسرائيل ضرباتها الأولى على حقول غاز "بارس الجنوبي" ومجمع عسلوية للمعالجة، ليكون هذا أول هجوم كبير على الإنتاج الإيراني منذ اندلاع الحرب، فلم تتردد طهران سوى ساعات حتى ردت بقصف منشآت طاقة خليجية من قطر إلى الإمارات والسعودية والكويت. وأعلن الرئيس الأمريكي ترامب تهديداً صريحاً بـ"محو" محطات توليد الكهرباء الإيرانية وآبار النفط وجزيرة خرج بل ومحطات تحلية المياه إذا استمر النزاع على مضيق هرمز.
وأظهرت تحليلات صور الأقمار الاصطناعية أن 23 موقعاً للنفط والغاز على الأقل في تسعة بلدان تعرضت لأضرار منذ بدء الصراع، بينما هوت صادرات النفط من المنطقة بنسبة لا تقل عن 60 بالمئة. وقفز سعر خام برنت فوق 119 دولاراً للبرميل في ذروته، وبقي مرتفعاً قرب 110 دولارات، بينما تعطلت تدفقات الغاز الطبيعي المسال العالمية بشكل غير مسبوق.
ولم تسلم المياه من نيران الحرب، حيث استُهدفت محطات تحلية في جزيرة قشم الإيرانية والبحرين، مع أضرار عرضية طالت الإمارات والكويت، وهي ليست إصابات عابرة بل تحول متعمد من الطرفين نحو استهداف أسس البقاء الاقتصادي والإنساني في منطقة الخليج الشحيحة بالمياه والغنية بالطاقة.
منشآت الغاز: جبهة جديدة للإبادة
تحول حقل "بارس الجنوبي"، أكبر حقل للغاز الطبيعي في العالم والذي يمتد على الحدود البحرية مع الحقل الشمالي القطري، إلى بؤرة الصراع الرمزية والاستراتيجية معاً، إذ يزود هذا الحقل نحو 70 بالمئة من احتياجات إيران المحلية للغاز ويدعم صناعتها البتروكيماوية بأكملها. وفي الضربة الإسرائيلية التي وثقتها المصادر، تضررت أربع وحدات معالجة في مجمع عسلوية على البر الإيراني، مما أوقف إنتاجاً يعادل نحو 12 بالمئة من إجمالي الإنتاج الإيراني للغاز وتسبب في انقطاعات فورية للكهرباء وإغلاق مصاف كاملة. واتهمت طهران واشنطن وتل أبيب باستهداف مدنيين بشكل متعمد، بينما بررت أمريكا وإسرائيل الضربات بأنها ضرورية لتجفيف عرقلة تمويل الحرب الإيرانية.
ولم تكن الضربات الإيرانية أقل قسوة، إذ أطلقت طهران صواريخ وطائرات مسيّرة استهدفت منشآت الطاقة الخليجية، فدمرت أجزاء كبيرة من مجمع رأس لفان القطري، وهو أكبر منشأة في العالم لتسييل الغاز الطبيعي، مما اضطر إلى وقف الإنتاج مؤقتاً. واستهدفت الهجمات أيضاً منشأة حبشان للغاز وحقل باب في الإمارات، ومصافي سعودية، ووحدات غاز كويتية، ليصل مجموع ما دمرته إيران ووكلاؤها إلى 17 موقعاً للطاقة في دول الخليج منذ أواخر فبراير. وحولت سلسلة الضربات المتبادلة الخليج العربي فعلياً إلى ساحة معركة طاقة مكشوفة، حيث توقف الملاحة عبر مضيق هرمز الذي يمر عبره 20 بالمئة من النفط والغاز المسال العالمي بشكل شبه كامل في بعض الفترات.
المياه: شريان الحياة تحت القصف
في تطور أكثر خطورة، تحولت محطات تحلية المياه، وهي شرايين الحياة في واحدة من أكثر مناطق العالم جفافاً، إلى أهداف متعمدة أو تصعيدية في سابع من مارس، إذ اتهمت إيران أمريكا بقصف محطة لتحلية المياه العذبة في جزيرة قشم بمضيق هرمز، مما قطع الإمدادات عن ثلاثين قرية. وفي اليوم التالي، أبلغت البحرين أن طائرة إيرانية مسيّرة أصابت أحد مراكز التحلية لديها، مما أثر على مياه تصل إلى ثلاثين قرية أخرى، كما سجلت أضرار عرضية من اعتراضات أو حطام في محطات بالكويت ومجمع الفجيرة في الإمارات.
وتعتمد دول الخليج بشكل شبه كلي على تحلية المياه، فالكويت تستمد 90 بالمئة من مياه شربها بهذه الطريقة، وعُمان 86 بالمئة، والسعودية 70 بالمئة، والإمارات 42 بالمئة، وتنتج 56 محطة فقط أكثر من 90 بالمئة من إجمالي المياه المحلاة في الخليج. أما إيران، فرغم اعتمادها الأقل نسبياً على الأنهار والسدود، فإنها تستخدم التحلية الساحلية لمجتمعاتها الجنوبية والجزيرية في خضم أزمة مائية حادة تعانيها أصلاً، مما جعل تهديد ترامب في الثلاثين من مارس باستهداف المحطات الإيرانية إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق حول هرمز يرفع منسوب الخوف من هجمات انتقامية قد تجعل مدناً بأكملها غير صالحة للسكن في غضون أيام أو أسابيع.
صدمة متعددة الطبقات
ألحق الهجوم المزدوج على الطاقة والمياه أضراراً فورية ومتتالية بالاقتصادات الخليجية التي بنيت على الريع النفطي ومحاولات التنويع، حيث يتوقع خبراء أن تشهد قطر والكويت انكماشاً في ناتجها المحلي يصل إلى 14 بالمئة إذا استمر القتال حتى أبريل. وتشير تقديرات أوسع إلى خسائر إقليمية تتراوح بين 10 و15 بالمئة من البنية التحتية المتضررة والتجارة المعطلة، بينما تظل الطاقة الإنتاجية الفائضة في السعودية والإمارات والكويت عالقة بسبب مخاطر هرمز والضربات المباشرة، مما يضاعف النقص العالمي في الإمدادات.
وعلى الصعيد العالمي، تبقى أسعار الطاقة متقلبة، ويحذر محللون من وصول سعر البرميل إلى ما بين 120 و150 دولاراً إذا استمرت الاضطرابات، بينما تنتقل تداعيات نقص الغاز المسال إلى أوروبا وآسيا، وتتفاقم أزمة الخدمات اللوجستية بسبب ارتفاع أقساط التأمين وتراجع حركة الشحن. وتضيف تهديدات المياه طبقة إنسانية إضافية، من تدفقات لاجئين محتملة إلى انعدام الأمن الغذائي وضغوط على حكومات الخليج لمسافة نفسها عن المجهود الحربي الأمريكي الإسرائيلي.
السيناريوهات: مفترق طرق بين التفاوض والانهيار
يرى محللو مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية ومجلس الأطلسي أن استهداف الطاقة والمياه يمثل "أسوأ سيناريو ممكن" يهدد التحول طويل الأمد للخليج وسلاسل التوريد العالمية، مشيرين إلى أن رهان إيران على الاستنزاف يكتسب زخماً هنا لأن ضرب البنى التحتية المدنية يضغط على الإرادة السياسية الأمريكية بشكل أسرع من أي انتصار عسكري ميداني. وتحذر أبحاث مؤسسة راند وبروكينغز من أن استمرار الضرر لفترة طويلة قد يثبت ارتفاع أسعار الطاقة وانعدام الأمن المائي لسنوات، مما يعقد أي جهود لتحقيق الاستقرار بعد الحرب.
وحتى الرابع من أبريل 2026، لم تسفر جبهة الطاقة والمياه عن استسلام إيراني، لكنها رعت الرهانات بشكل كبير، وتستمر المفاوضات غير المباشرة عبر باكستان وعُمان وسط إشارات من كلا الجانبين إلى استعداد لوقف مؤقت إذا تم تلبية المطالب الأساسية حول إعادة فتح هرمز وفرض قيود نووية محدودة. ويقيم الخبراء أن هذه المرحلة ربما تسارع نحو مخرج تفاوضي لأن الألم المتبادل قد يتجاوز قريباً المكاسب المتصورة من استمرار القتال، لكن إذا تعطلت الدبلوماسية فإن المزيد من التصعيد، من استهداف كامل لخرق إلى ضرب واسع لمحطات التحلية أو توسيع هجمات الطاقة بالوكالة، يلوح كخطر حقيقي يحول حرباً جوية محدودة إلى كارثة إنسانية واقتصادية إقليمية شاملة.
من ينهار أولاً؟
تجسد النيران التي تلتهم حقول الغاز ومحطات التحلية في الخليج حقيقة مرة: أقوى الأسلحة في هذا الصراع ليست الصواريخ أو الطائرات، بل الحنفيات وخطوط الأنابيب التي تحافظ على الحياة والازدهار في الشرق الأوسط.
وتستمر استراتيجية إيران القائمة على "لا تخفف بل صعّد" في محاولة لتفكيك التحالف المعادي لها من خلال جعل استمرار الحرب ساماً سياسياً للشركاء العرب، بينما تراهن واشنطن على تجويع النظام من عائدات النفط والغاز لحرمانه من تمويل وكلائه وإعادة بنائه.
لكن النتيجة الحتمية حتى الآن هي أن المدنيين في إيران ودول الخليج على السواء يدفعون ثمن معركة لم يخوضوها، وإن كان النصر في نهاية المطاف سيُقاس ليس بالأراضي المحتلة بل بمن تنهار بنيته التحتية أولاً، وبأي تكلفة إنسانية واقتصادية عالمية.










