20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

إعادة توجيه بوصلة الصراع: سوريا الجديدة تخرج بجموعها رفضاً لقانون إعدام الأسرى

تبدو سوريا وكأنها تعود تدريجياً إلى قلب المعادلة، ليس فقط عبر موقعها الجغرافي، بل من خلال حراك شعبي وسياسي يعيد طرح أسئلة كبرى حول مستقبل الصراع، وحدود التصعيد، ودور الشعوب في رسم ملامح المرحلة القادمة.

بقلم: أخبار ومتابعات
٤ أبريل ٢٠٢٦
8 دقائق قراءة
12 مشاهدة
امتدت التحركات من درعا إلى دمشق وصولاً إلى حلب حيث خرجت تظاهرات وتجمعات ومسيرات ووقفات أمام مؤسسات دولية ومرافق تعليمية.jpeg

امتدت التحركات من درعا إلى دمشق وصولاً إلى حلب حيث خرجت تظاهرات وتجمعات ومسيرات ووقفات أمام مؤسسات دولية ومرافق تعليمية.jpeg

شهدت عدة محافظات في سوريا موجة احتجاجات غير مسبوقة رفضاً لقانون إعدام الأسرى الفلسطينيين الذي أقره الكنيست الإسرائيلي، في مشهد عابر للجغرافيا والانقسام الداخلي. امتدت التحركات من دمشق وريفها إلى حلب ودرعا واللاذقية وحمص وإدلب، إضافة إلى مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، في دلالة واضحة على اتساع قاعدة التضامن الشعبي مع الأسرى.

المشهد لم يكن رمزياً فقط، بل حمل طابعاً جماهيرياً كثيفاً، حيث شارك آلاف المتظاهرين في مسيرات ووقفات وفعاليات طلابية، ورفعوا شعارات تؤكد رفضهم للقرار الإسرائيلي، وتعيد التأكيد على مركزية قضية الأسرى في الوعي العربي. اللافت أن هذه التحركات جاءت بتنوع لافت في أشكالها، من تجمعات جامعية إلى مسيرات شعبية في الشوارع والساحات.

آلاف الطلاب في جامعة حلب خرجوا منددين بقانون إعدام الأسرى الفلسطينيين (الجزيرة)
آلاف الطلاب في جامعة حلب خرجوا منددين بقانون إعدام الأسرى الفلسطينيين 


 

في حلب تحديداً، برزت الجامعة كمركز ثقل للحراك، حيث خرج آلاف الطلاب في واحدة من أكبر التظاهرات الجامعية منذ سنوات، رافعين الأعلام الفلسطينية والسورية معاً، ومرددين هتافات تعكس حالة تعبئة سياسية وشعبية تتجاوز البعد التضامني إلى ما يشبه استعادة خطاب المقاومة داخل الفضاء العام.

دلالات التوقيت

يأتي هذا الحراك في توقيت بالغ الحساسية، بالتزامن مع تصاعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وما رافقها من تشديد إسرائيلي غير مسبوق على الأسرى الفلسطينيين داخل السجون. هذا التزامن يمنح الاحتجاجات بعداً سياسياً مركباً، يتجاوز مجرد الاعتراض على قانون، ليصبح جزءاً من مشهد إقليمي متشابك.

كما أن إقرار القانون تزامن مع إغلاق المسجد الأقصى ومنع إقامة صلاة عيد الفطر فيه لأول مرة منذ عام 1967، وهو ما عزز منسوب الغضب الشعبي، وربط بين ملف الأسرى والاعتداءات على المقدسات، بما يعيد إنتاج حالة تعبئة شاملة على أكثر من محور.

وفق قراءة تحليلية للسياق، فإن التوقيت يعكس أيضاً محاولة إسرائيلية لاستثمار انشغال الإقليم بالحرب مع إيران لفرض وقائع جديدة على الأرض، خصوصاً في ملف الأسرى. لكن الرد السوري الشعبي جاء ليكسر هذا الرهان، ويعيد إدخال القضية الفلسطينية إلى صدارة المشهد الإقليمي.

الجنوب يشتعل

محافظة درعا كانت الأكثر حضوراً في هذا الحراك، حيث شهدت عشرات المدن والبلدات مظاهرات متزامنة، شارك فيها مئات المواطنين في مسيرات ليلية ونهارية، رُفعت خلالها الأعلام الفلسطينية ورددت شعارات تطالب بالإفراج عن الأسرى ورفض القانون.

اللافت أن بعض هذه التحركات اتجهت نحو المناطق القريبة من خط التماس مع الجولان المحتل، في إشارة رمزية تحمل أبعاداً ميدانية محتملة. هذا التطور يعكس حساسية خاصة للجنوب السوري، الذي شهد خلال العام الماضي احتكاكات مباشرة مع القوات الإسرائيلية.

التقارير المحلية أشارت إلى إطلاق قوات الاحتلال قنابل مضيئة في سماء القنيطرة، بعد رصد تحركات لمحتجين باتجاه الحدود، ما يعكس حالة توتر ميداني متصاعدة. هذا التداخل بين الاحتجاج الشعبي والاحتكاك الحدودي يفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر تعقيداً إذا استمر التصعيد.

مشاركة رسمية لافتة

من أبرز ما ميّز هذه الاحتجاجات هو الحديث عن مشاركة عناصر من تشكيلات عسكرية تابعة لوزارة الدفاع السورية الجديدة في بعض المسيرات، وفق ما وثقه المرصد السوري لحقوق الإنسان. هذه المشاركة، إن تأكدت، تمثل تحولاً نوعياً في طبيعة التفاعل الرسمي مع القضية الفلسطينية.

مسيرة راجلة لعناصر الفرقة 60 التابعة لوزارة الدفاع السورية
مسيرة راجلة لعناصر الفرقة 60 التابعة لوزارة الدفاع السورية


 

هذا التطور يشير إلى احتمال وجود توجه داخل بنية النظام الجديد لإعادة توظيف القضية الفلسطينية كأداة لإعادة بناء الشرعية الداخلية، وربما أيضاً كرسالة إقليمية موجهة إلى أطراف الصراع، خصوصاً في ظل إعادة تموضع سوريا بعد سنوات من الحرب.

كما أن مشاركة جهات رسمية أو شبه رسمية في الحراك تعكس محاولة لضبط إيقاع الشارع وتوجيهه، بحيث يبقى في إطار سياسي محسوب، دون الانزلاق إلى مواجهات مفتوحة قد تفرض على الدولة خيارات غير مرغوبة في هذه المرحلة الحساسة.

رسائل إلى الإقليم

تحمل هذه الاحتجاجات رسائل متعددة الاتجاهات، أولها إلى إسرائيل، بأن ملف الأسرى لا يمكن عزله عن محيطه العربي، وأن أي تصعيد في هذا الملف سيواجه بردود فعل تتجاوز الأراضي الفلسطينية. كما تعكس الرسالة أن الشارع العربي، رغم الانقسامات، لا يزال قادراً على التفاعل عند نقاط مفصلية.

 

 

الرسالة الثانية موجهة إلى الولايات المتحدة، التي تدير الحرب على إيران، ومفادها أن توسيع دائرة الصراع لن يبقى محصوراً في الجغرافيا الإيرانية أو الخليجية، بل قد يمتد إلى ساحات أخرى، بما فيها الساحة السورية التي استعادت جزءاً من حيويتها السياسية.

مظاهرة حاشدة في حلب طالب فيها سوريون بضغط عربي لإسقاط قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين (الجزيرة)
مظاهرة حاشدة في حلب طالب فيها سوريون بضغط عربي لإسقاط قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين 


 

أما الرسالة الثالثة فهي داخلية، تتعلق بإعادة تعريف دور سوريا في الإقليم، ليس فقط كدولة خارجة من حرب طويلة، بل كفاعل يحاول إعادة تموضعه عبر بوابة القضية الفلسطينية، مستفيداً من اللحظة الإقليمية المضطربة.

تحية المقاومة

في هذا السياق، وجّه الناطق باسم كتائب عز الدين القسام "أبو عبيدة" تحية إلى الشعب السوري، مشيداً بالحشود التي خرجت دعماً للمقاومة وللأسرى الفلسطينيين. هذه الإشادة تعكس إدراكاً لدى فصائل المقاومة لأهمية هذا الحراك في كسر العزلة السياسية.

الرسالة التي نقلها أبو عبيدة عبر منصة تلغرام حملت بعداً معنوياً واضحاً، حيث أكد أن صوت الجماهير السورية وصل إلى غزة، وأن الرهان لا يزال قائماً على دور الشعوب في معركة التحرير. هذا الخطاب يعيد التأكيد على مركزية العامل الشعبي في معادلة الصراع.

سوريون يتظاهرون ضد قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين ويطالبون بالحرية لهم (الجزيرة)
سوريون يتظاهرون ضد قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين ويطالبون بالحرية لهم 

كما أن هذا التفاعل بين الشارع السوري وفصائل المقاومة يعكس إعادة وصل ما انقطع خلال سنوات الحرب، ويؤشر إلى إمكانية تشكل بيئة إقليمية جديدة أكثر تفاعلاً مع القضية الفلسطينية، في ظل التحولات الجارية في موازين القوى.

إعادة تعريف الصراع

لا يمكن قراءة هذه الاحتجاجات بمعزل عن السياق الأوسع للحرب في المنطقة، حيث تتداخل الجبهات من إيران إلى لبنان واليمن وصولاً إلى سوريا. هذا التداخل يعيد تعريف الصراع كحالة إقليمية مفتوحة، وليس مجرد مواجهة محدودة.

قانون إعدام الأسرى، في هذا السياق، يتحول من إجراء تشريعي إلى أداة صراع رمزي وسياسي، تسعى إسرائيل من خلالها إلى إعادة صياغة الرواية، بينما تعمل الشعوب العربية على إعادة تثبيت معادلة المقاومة كخيار مشروع.

وبين هذا وذاك، تبدو سوريا وكأنها تعود تدريجياً إلى قلب المعادلة، ليس فقط عبر موقعها الجغرافي، بل من خلال حراك شعبي وسياسي يعيد طرح أسئلة كبرى حول مستقبل الصراع، وحدود التصعيد، ودور الشعوب في رسم ملامح المرحلة القادمة.

أخبار ومتابعات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال