20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

سارة جاسم تكتب: حينما تقتلع الغريزة فرامل الوعي

في مشهد مأساوي تكرر بصور مختلفة انتهت قصة "تحدي" مراهق لسياج حديقة الحيوان بنهاية حزينة، نمر فقد حياته وفتى أصيب بجروح بليغة، وعائلة تعيش الصدمة.

بقلم: سارة جاسم
٥ أبريل ٢٠٢٦
4 دقائق قراءة
41 مشاهدة
سارة جاسم تكتب: حينما تقتلع الغريزة فرامل الوعي

سارة جاسم تكتب: حينما تقتلع الغريزة فرامل الوعي

في مشهد مأساوي تكرر بصور مختلفة انتهت قصة "تحدي" مراهق لسياج حديقة الحيوان بنهاية حزينة، نمر فقد حياته وفتى أصيب بجروح بليغة، وعائلة تعيش الصدمة. لكن الجرح الأعمق يكمن في السؤال: لماذا يشعر المراهق اليوم أن القواعد مجرد "اقتراحات" يمكن تجاوزها من أجل لقطة بهلوانية أو إثبات ذات وهمي؟
إن هذه الحادثة ليست مجرد "خبر عاجل" عن هجوم حيوان، بل هي مرآة تعكس فجوة عميقة في الوعي المجتمعي والتربوي. فيعيش الكثير من المراهقين اليوم تحت ضغط "الصورة الذهنية" الرغبة في الظهور بمظهر القوي الذي لا يهاب المخاطر. هذا الطيش ليس مجرد نقص في الخبرة، بل هو غياب تام للشعور بالمسؤولية تجاه الذات وتجاه الآخرين. 
عندما يقرر شخص تجاوز سياج أمني، فهو لا يتحدى الجاذبية أو الحيوان فقط، بل يتحدى منطق "العقد الاجتماعي" الذي ينص على أن القوانين وُضعت لحمايتنا جميعاً.

غريزة بلا لجام

إن الرابط بين المراهق الذي يقفز فوق سياج النمر وبين المتحرش في الشارع ليس رابطاً عابراً، بل هو تشابه عضوي في سيكولوجية التعدي. كما يرى هذا النوع من الشباب أن السياج الحديدي في الحديقة مجرد عقبة يجب كسرها لإشباع فضوله أو استعراض قوته، يرى المتحرش أن خصوصية المرأة وجسدها مساحة مستباحة لنزواته. في كلتا الحالتين هناك "عمى أخلاقي"يجعل الفرد لا يرى إلا رغبته اللحظية، ضارباً عرض الحائط بحقوق الآخرين وقوانين المجتمع.
ومنطق تغليب "الحيوانية" على "الإنسانية" حين يُبرر البعض طيش المراهقين بأنه "طاقة زائدة" ويُبرر البعض التحرش بأنه "غريزة لا يمكن كبحها". وهذا في الواقع إهانة للعقل البشري فالإنسان يتميز عن الكائن الغريزي بفرامل الوعي. إن الشخص الذي لا يستطيع ضبط غريزته أمام امرأة في الشارع هو تماماً كمن لم يستطع ضبط فضوله أمام قفص حيوان مفترس كلاهما استسلم لدافع بدائي وتخلى عن أسمى ما يملك: السيطرة على الذات.

التربية: بين "الدلال المفرط" و"غياب الرقابة"

لا يمكن لوم المراهق وحده فالتربية هي حائط الصد الأول. إن التربية التي لا تزرع في الطفل احترام "الحدود والقواعد " منذ الصغر تنتج شاباً يرى العالم ملكية خاصة له.
فالإنسان يتميز عن الكائن الغريزي بقدرته على لجم رغباته العارمة بالمنطق. عندما يفشل الشاب في كبح غريزة "حب الظهور" أمام خطر الموت، فهذا مؤشر على خلل في البناء القيمي الذي كان يجب أن يُغرس في البيت.
فيقع المراهق الذي يقتحم عرين الأسد بوهم البطولة و يظن نفسه "شجاعاً"، والمتحرش الذي يضايق النساء يظن نفسه "فحلاً". وكلاهما في الحقيقة يعاني من نقص في التربية السليمة، حيث فُهمت "الرجولة" خطأً على أنها اعتداء وتجاوز بينما الرجولة الحقيقية هي في السيطرة على النفس والترفع عن إيذاء الآخرين.

الضحية الصامتة وثمن الأنانية

في هذه الحادثة، دفع النمر (الكائن الذي يتحرك بفطرته داخل سجنه) حياته ثمناً لغلطة "كائن عاقل". وهذا يجسد قمة الأنانية البشرية حيث يتسبب طيش فردي في تدمير كائنات أو أرواح أخرى، ثم نتباكى على النتائج. إن المجتمع الذي يتساهل مع "طيش" المراهقين في تخريب الممتلكات أو القفز في الأماكن المحظورة، هو نفس المجتمع الذي سينتج لاحقاً أفراداً لا يحترمون حرمة الجار أو خصوصية المرأة.
المشكلة ليست في قصر الأسوار، بل في انخفاض سقف الوعي. نحن بحاجة إلى "تربية حدود وقواعد " أن يتعلم الجيل الصاعد أن كلمة "ممنوع" ليست تحدياً للرجولة، بل هي صمام أمان للحياة. إن احترامك للسياج في الحديقة هو أول خطوة لاحترامك لخصوصية الآخرين وللقانون، ولحياتك التي لا تعوضها "لايكات" التواصل الاجتماعي.
وأن الرجولة الحقيقية هي في السيطرة على النفس، لا في الارتماء تحت مخالب الوحوش أو مضايقة العابرين.

سارة جاسم

كاتبة عراقية

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

سارة جاسم تكتب: حينما تقتلع الغريزة فرامل الوعي - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°