أحيت الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني "حشد" يوم الطفل الفلسطيني، الذي يصادف الخامس من كل عام، ببيان حقوقي شديد اللهجة يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته الأخلاقية والقانونية.
هذا اليوم الذي أقره الرئيس الراحل ياسر عرفات عام 1995 ليكون تأكيداً على الالتزام بحقوق أطفال فلسطين، يأتي هذا العام متزامناً مع "يوم اليتيم"، ليجسد واقعاً مأساوياً لم يشهده التاريخ المعاصر، حيث يواجه الطفل الفلسطيني حرب إبادة جماعية ممنهجة استباحت خلالها قوات الاحتلال الإسرائيلي دماء الأطفال وأجسادهم وأحلامهم في تحلل كامل من كافة المواثيق الدولية، ولا سيما اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989، وهو ما حول قطاع غزة إلى "مقبرة للأطفال" بفعل آلة قتل لم تكتفِ بالاستهداف المباشر، بل امتدت لتدمير شامل لكل مقومات الحياة.
الإحصائيات الدامية: ذروة الاستهداف الجسدي للأطفال
أشارت الهيئة الدولية حشد في بيانها إلى أن ما يتعرض له الأطفال اليوم يمثل الذروة في الاستهداف الجسدي والقتل العمد، حيث ارتقى أكثر من 14,500 طفل شهيد في قطاع غزة وحده، بالإضافة إلى مئات الشهداء الأطفال في مدن ومخيمات الضفة الغربية المحتلة.
وتراقب الهيئة ببالغ القلق والخطورة الارتفاع الحاد في أعداد الأطفال المصابين بـبتر الأطراف، والذين تجاوز عددهم أكثر من 1000 طفل فقدوا أحد أطرافهم أو كليهما، مما يجعلهم يواجهون مستقبلاً معقداً ومظلماً في ظل تدمير ممنهج للمنظومة الصحية الفلسطينية ومنع إدخال الأطراف الصناعية أو السماح بسفر الجرحى للعلاج في الخارج، ما يكرس سياسة "عجزٍ قسري" يفرضها الاحتلال لتشويه جيل كامل وحرمانه من حقه في الحركة والنمو الطبيعي.
فاجعة اليتم: آلاف الأطفال بلا سند في غزة
أوضحت الهيئة أن واقع اليتم في قطاع غزة يمثل زلزالاً للضمير العالمي الإنساني، حيث قفزت أعداد الأيتام بشكل صادم من 22,000 يتييم قبل العدوان إلى 64,616 يتيماً حتى وقتنا الحالي. ومن بين هؤلاء، يبرز رقم مفزع لـ 826 طفلاً تم تصنيفهم كـ "ناجٍ وحيد"، وهم الأطفال الذين فقدوا عائلاتهم بالكامل ومُسحت أسماؤهم من السجل المدني، ليعيشوا بلا سند أسري أو معيل في بيئة تفتقر لأدنى مقومات الأمان والخصوصية.
هذا الارتفاع المهول في أعداد الأيتام يخلق تحدياً اجتماعياً ونفسياً طويل الأمد، حيث تسبب النزوح المتكرر وغياب المأوى في تفاقم معاناة هؤلاء الأطفال الذين باتوا يواجهون مصيرهم المجهول في مراكز إيواء تفتقر لأبسط معايير الكرامة الإنسانية.
تدمير المستقبل: التعليم والصحة تحت مقصلة الاحتلال
لم تتوقف حدود المأساة عند القتل المباشر واليتم، بل امتدت لتطال الحقوق الأساسية التي كفلتها القوانين الدولية، وعلى رأسها الحق في التعليم والصحة. فقد كشفت الهيئة الدولية حشد عن تدمير 90% من المنشآت التعليمية في قطاع غزة، مما حرم أكثر من 625 ألف طالب من مقاعد الدراسة، محولاً المدارس إلى ركام أو مراكز نزوح مكتظة.
وعلى الصعيد الصحي، بات الأطفال فريسة سهلة للأوبئة والأمراض الجلدية والتهاب الكبد الوبائي نتيجة انعدام المياه الصالحة للشرب وانهيار المنظومة البيئية، وصولاً إلى الفاجعة الكبرى المتمثلة في عودة ظهور مرض شلل الأطفال، واستشهاد العشرات من الأطفال نتيجة سياسة التجويع الممنهجة التي تفتك بأجسادهم النحيلة أمام مسمع ومرأى من العالم أجمع.
الأسرى والاضطرابات النفسية: الجروح غير المرئية
وفي موازاة الحرب في غزة، تستمر معاناة الأطفال في الضفة الغربية والقدس، حيث تواصل قوات الاحتلال حملات الاعتقال التعسفي والتنكيل بالأطفال الأسرى داخل السجون، معرضة إياهم لأبشع أنواع التعذيب الجسدي والنفسي.
وتؤكد الهيئة أن كافة أطفال قطاع غزة بلا استثناء يعانون من صدمات نفسية حادة واضطرابات ما بعد الصدمة نتيجة مشاهد الموت والدمار المتكررة، ما يهدد بتدمير التكوين الشخصي والوجداني لجيل بأكمله.
إن إنصاف هؤلاء الأطفال ليس مجرد شعار يرفع في يومهم الوطني، بل هو اختبار حقيقي لمصداقية القانون الدولي ومنظومة حقوق الإنسان التي تبدو عاجزة تماماً أمام آلة الحرب الإسرائيلية التي تستهدف الحاضر والمستقبل الفلسطيني بدم بارد.
مطالبات "حشد" للمجتمع الدولي والمنظمات الأممية
أمام هذه المأساة الشاملة، سجلت الهيئة الدولية حشد مجموعة من المطالبات العاجلة، حيث دعت المجتمع الدولي والأمم المتحدة للتحرك الفوري لوقف حرب الإبادة الجماعية وتوفير حماية دولية للأطفال.
كما طالبت المحكمة الجنائية الدولية بفتح تحقيق عاجل ومستقل في جرائم استهداف الأطفال وسياسة البتر القسري باعتبارها جرائم ضد الإنسانية.
وناشدت منظمة الصحة العالمية واليونيسف بضرورة إنشاء مراكز طبية تخصصية لعلاج الإعاقات وتقديم الدعم النفسي المكثف للأيتام.
وأخيراً، دعت الأطراف السامية المتعاقدة على اتفاقية جنيف الرابعة للضغط على الاحتلال للافراج عن الأطفال الأسرى ووقف استهداف المؤسسات التعليمية والصحية فوراً لضمان بقاء ما تبقى من طفولة في فلسطين.










