من المنطقي، وفقًا لما يطرحه الكاتب، افتراض أن كلًا من الجيش الإسرائيلي والقيادة المركزية التابعة لـأمريكا قد بلغا، أو باتا قريبين جدًا من بلوغ، الحد الأقصى للأهداف العسكرية التي يمكن تحقيقها من خلال حملة جوية داخل إيران. هذا الطرح لا يُقدَّم باعتباره حقيقة نهائية، بل كقراءة تستند—بحسب النص—إلى تقديرات عسكرية واستخباراتية توصف بالدقة والمهنية، في محاولة لإضفاء طابع موضوعي على الاستنتاج.
وفي هذا الإطار، يواصل الطرفان تنفيذ الخطط الموضوعة سلفًا، مع التركيز على تعميق الإنجازات الميدانية بدل توسيع نطاقها. وتشير هذه القراءة إلى أن حجم الضربات التي نُفذت حتى الآن بلغ مستوى كبيرًا، لدرجة أن بعض الخبراء يتوقعون أنه، عند هدوء العمليات، سيتضح أن إيران فقدت جزءًا واسعًا من قدراتها العسكرية والبحثية والصناعية، والتي كانت تُصنَّف سابقًا كركيزة لتهديد إقليمي ممتد.
تهديد قائم
رغم هذا التقييم، يؤكد الكاتب—استنادًا إلى خبراء عسكريين—أن من المبكر جدًا تحديد الفترة الزمنية التي قد تبقى خلالها إيران عاجزة عن استعادة قدرتها على تشكيل تهديد فعلي. فمصير النظام الحاكم في طهران، إلى جانب ملامح أي تسوية سياسية محتملة، لا يزالان عاملين غامضين يعقّدان أي محاولة لتقديم تقدير مستقبلي دقيق.
كما يشير النص إلى أن ما تبقى من القدرات الصاروخية الإيرانية، حتى لو تقلّص إلى نسبة محدودة مقارنة ببداية الحرب، لا يزال كافيًا لإحداث دمار ملموس في محيطها الإقليمي. ويضيف أن هذه القدرات تمنح النظام—الذي يقوده فعليًا الحرس الثوري—أدوات ضغط مستمرة، سواء عبر تهديد أمن الطاقة العالمي أو عبر تعطيل الاستقرار اليومي في دول المنطقة، بما يعكس طبيعة الصراع كمعادلة ردع متبادلة لا تنتهي بضربة واحدة.
ضغوط متصاعدة
يرى الكاتب أن استمرار هذا الوضع يفرض ضغوطًا متزايدة على كل من دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو، في ظل الحاجة إلى تحقيق إنجاز سريع يمكن تقديمه داخليًا كنجاح سياسي وعسكري. في المقابل، يعتقد أن القيادة الإيرانية، وخصوصًا داخل الحرس الثوري، تمتلك هامشًا زمنيًا أوسع للمناورة، رغم الخسائر التي تتكبدها.
ويربط النص ذلك بطبيعة الدوافع الأيديولوجية للنظام الإيراني، حيث يُصوَّر الصراع كمعركة عقائدية تجعل من التراجع أو التسوية خيارًا غير مقبول. غير أن هذا الطرح يعكس رؤية إسرائيلية تقليدية تميل إلى اختزال سلوك إيران في البعد الديني، متجاهلة التعقيدات السياسية والاجتماعية الداخلية، والتي تلعب دورًا حاسمًا في تشكيل قرارات طهران الاستراتيجية.
ضربات محدودة
ينتقد الكاتب ما يصفه بالنهج الحذر الذي تتبعه واشنطن بقيادة ترامب في إدارة الحرب، مشيرًا إلى أن الإدارة الأمريكية تفرض قيودًا واضحة على استهداف البنية التحتية الحيوية داخل إيران، مثل قطاعي النفط والغاز، بهدف تجنب تصعيد واسع أو إلحاق أضرار مباشرة بالمدنيين قد تؤدي إلى تداعيات دولية غير محسوبة.
في المقابل، يتهم النص إيران بشن هجمات على بنى تحتية مدنية في المنطقة، واستخدام حلفاء إقليميين لتنفيذ عمليات ضد أهداف إسرائيلية وأمريكية. إلا أن هذه الرواية تتجاهل سياقًا أوسع، يتمثل في تاريخ طويل من التدخلات العسكرية الأمريكية في المنطقة، فضلًا عن الدعم المفتوح الذي تقدمه واشنطن لإسرائيل، خاصة منذ العدوان على غزة في أكتوبر 2023، والذي شهد مجازر واسعة بحق المدنيين الفلسطينيين، في ظل غطاء سياسي وعسكري أمريكي مباشر.
استنزاف طويل
يخلص الكاتب إلى أن هذا النهج الحذر يقود عمليًا إلى حرب استنزاف طويلة، تمنح إيران ميزة نسبية قائمة على عامل الوقت. فالحرب الممتدة، بحسب هذا التصور، لا تُنهك فقط القدرات العسكرية، بل تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي، حيث تُفاقم أزمة الطاقة وترفع تكلفتها، وتضع أعباء إضافية على الاقتصاد الأمريكي.
كما تبقي هذه الحرب إسرائيل ودول الخليج في حالة تهديد دائم، ما يعزز حالة عدم الاستقرار الإقليمي. ويحذر الكاتب من أن استمرار هذا النمط من القتال، في ظل حوادث عسكرية متكررة، قد يؤدي إلى انفجار غير محسوب، تتجاوز تداعياته حدود الأطراف المنخرطة في الصراع.
إنذارات متبادلة
يتناول النص محاولات ترامب الدفع نحو وقف لإطلاق النار عبر قنوات وساطة، مشيرًا إلى دور باكستاني في هذا المسار. إلا أن هذه الجهود، وفقًا للكاتب، اصطدمت برفض إيراني، ما دفع واشنطن إلى إصدار إنذارات تتضمن تهديدًا بتوسيع نطاق استهداف البنية التحتية الإيرانية.
ورغم تنفيذ ضربات محدودة بهدف إيصال هذه الرسائل، يؤكد الكاتب أن طهران لم تُظهر أي استجابة تُذكر، وهو ما يفرض—من وجهة نظره—ضرورة إعادة تقييم الاستراتيجية الأمريكية-الإسرائيلية، خاصة في ظل غياب نتائج حاسمة حتى الآن.
أهداف متباينة
يوضح النص أن أهداف واشنطن تتركز أساسًا على احتواء تداعيات الحرب عالميًا، خاصة عبر إنهاء أزمة الطاقة وإعادة فتح مضيق هرمز، إلى جانب تحقيق نهاية سريعة للصراع يمكن تسويقها سياسيًا داخل أمريكا.
أما إسرائيل، فتسعى—وفق الطرح ذاته—إلى أهداف أكثر تعقيدًا، تتجاوز البعد العسكري المباشر، لتشمل إضعاف النظام الإيراني داخليًا، ومنع إعادة بناء قدراته، وفرض معادلة ردع طويلة الأمد تضمن وقف الهجمات الصاروخية من إيران وحلفائها، في إطار رؤية أمنية تسعى لإعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمي.
مبدأ الضاحية
يطرح الكاتب خيارًا تصعيديًا يتمثل في تطبيق ما يُعرف بـ"مبدأ الضاحية"، وهو أسلوب يقوم على إخلاء مناطق سكنية محددة مسبقًا ثم تدميرها بشكل واسع عبر القصف الجوي، بهدف خلق ضغط مباشر على البيئة الحاضنة للنظام.
ويشير إلى أن هذا النهج استُخدم سابقًا خلال حرب لبنان 2006، ويُقدَّم هنا كخيار محتمل لتطبيقه داخل طهران، خصوصًا في مناطق يُعتقد أنها مرتبطة بالنخب الحاكمة. غير أن هذا الطرح يثير إشكاليات قانونية وأخلاقية جسيمة، إذ إن استهداف مناطق سكنية—even مع إنذارات مسبقة—يُعد، وفق كثير من خبراء القانون الدولي، انتهاكًا صريحًا لمبدأ التناسب، خاصة في ظل الكثافة السكانية العالية وصعوبة الإخلاء الفعلي.
بين الردع
يتوقع الكاتب أن يؤدي تنفيذ مثل هذه الاستراتيجية إلى رد إيراني عنيف، ما يستدعي، بحسب رأيه، جاهزية عسكرية عالية لاحتواء الهجمات الصاروخية المحتملة. كما يربط نجاح هذا النهج بمدى استهدافه لمناطق ذات حساسية مباشرة للنظام، بما في ذلك أحياء يسكنها مقربون من دوائر الحكم، بهدف خلق ضغط داخلي يدفع القيادة الإيرانية إلى القبول بشروط التفاوض.
لكن هذا الطرح يكشف، في جوهره، عن ميل واضح نحو التصعيد باعتباره الطريق الأقصر للحسم، متجاهلًا أن مثل هذه السياسات قد تؤدي إلى نتائج عكسية، سواء عبر توحيد الجبهة الداخلية الإيرانية أو عبر توسيع نطاق الحرب إقليميًا. كما يغفل الكلفة الإنسانية الهائلة التي قد تترتب على استهداف مناطق مدنية، فضلًا عن الدور الأمريكي المباشر في إدارة هذا الصراع، وهو دور لا يمكن فصله عن سياق أوسع من السياسات التي ساهمت في إشعال المنطقة، خاصة منذ أكتوبر 2023.










