منذ بدء العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير 2026، والذي استهدف القيادة والمواقع النووية والبنية التحتية الصاروخية، ردّت إيران بقصف صاروخي وطائرات مسيّرة متواصل ضد إسرائيل، في حين صعّد حزب الله في لبنان هجماته الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة بالتنسيق مع إسرائيل.
اختبرت هذه الهجمات متعددة الجبهات شبكة الدفاع الجوي الإسرائيلية متعددة الطبقات (آرو، ومقلاع داود، والقبة الحديدية) بشكل غير مسبوق.
ومع تراجع حدة الهجمات الإيرانية الكبيرة الأولية إلى هجمات أصغر حجماً وأكثر تواتراً (بانخفاض قدره 90% تقريباً وفقاً للتقييمات الأمريكية)، واصل حزب الله إطلاق الصواريخ بشكل شبه يومي من ترسانة صاروخية لا تزال فعّالة.
تتحدث الدعاية الإسرائيلية عن تحقيق الدفاعات الإسرائيلية معدلات اعتراض عالية (90-98% وفقاً للتقديرات الإسرائيلية)، لكن التقارير تشير إلى استنزاف كبير في أنظمة الاعتراض المتطورة، وخاصة أنظمة آرو، مما دفع إلى ترشيد استخدامها والاعتماد على ترقيات من مستويات أدنى.
ورغم إعلان وزير الحرب الإسرائيلي عن تسارع الإنتاج، واستمرار الدعم الأمريكي، ومحاولات العدوان الإسرائيلي الأمريكي على إيران ولبنان لإضعاف قدرات إطلاق الصواريخ والمسيرات، إلا أن تساؤلا خطيرا برز على السطح في إسرائيل مؤخرا، حول قدرة دفاعات الاحتلال على الصمود أمام هذه الوتيرة من الهجمات من إيران وحزب الله.
وتتوالى التحذيرات الإسرائيلية من أن استمرار الاستنزاف يُنذر بخطر الإرهاق إذا لم ينخفض إطلاق الصواريخ والمسيرات الواردة من إيران ولبنان أكثر.
ما بعد "زئير الأسد"
بدأ العدوان على إيران بغارات جوية مشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل في عملية "الغضب الملحمي/زئير الأسد" في 28 فبراير 2026، والتي أسفرت عن استشهاد المرشد الأعلى علي خامنئي وإضعاف القدرات الصاروخية والنووية الإيرانية.
وردّت إيران بإطلاق مئات الصواريخ والطائرات المسيّرة التي استهدفت إسرائيل وحلفاء الولايات المتحدة. وفي 2 مارس، أعاد حزب الله فتح الجبهة الشمالية، مطلقًا صواريخ وطائرات مسيّرة تضامنًا معها.
وبحلول أوائل أبريل، استمر القتال على محورين رئيسيين: الضربات الباليستية/الطائرات المسيّرة الإيرانية المباشرة، وحملة حزب الله الصاروخية/الطائرات المسيّرة قصيرة المدى من لبنان.
ورغم تنفيذ إسرائيل اكثر من 3500 غارة عدوانية على لبنان فقط، إلا أن هجمات إيران وحزب الله كان لها أبلغ الأثر على إسرائيل. تشمل الآثار المدنية في إسرائيل الوفيات الناجمة عن عمليات الاختراق (مثل هجوم تل أبيب) واللجوء الواسع النطاق إلى الملاجئ، إلى جانب الاضطرابات الاقتصادية الناجمة عن الإنذارات المستمرة.
طبيعة وسرعة الهجمات
كان لافتا في الأيام الأخيرة تنسيق الهجمات بشكل كبير بين إيران وحزب الله وجماعة أنصار الله في اليمن التي انضمت مؤخرا للحرب. غير أن هجمات إيران وحزب الله كانت صاحبة التأثير الأخطر على إسرائيل، رغم تشديد الرقابة ومنع التصوير خوفا من إظهار النتائج الكارثية للصواريخ الإيرانية واللبنانية على مدن إسرائيل.
ويمكن التمييز بين نهجين للهجمات على إسرائيل، حيث تتميز الهجمات الإيرانية عن اللبنانية كالتالي:
الهجمات الإيرانية
شملت الضربات المبكرة عشرات الصواريخ (من طراز عماد، وقدر، وخيبر شكن). وبحلول أواخر مارس وأبريل، تحولت هذه الضربات إلى وابلات أصغر (من صاروخ إلى سبعة صواريخ في كل موجة، ومن ثلاث إلى سبع موجات يوميًا مؤخرًا).
ها التراجع فتح الباب أمام نقاشات وجدالات عن انخفاض عدد الصواريخ لدى إيران بفعل العدوان، وسط حديث عن احتفاظ إيران بأكثر من 1000 صاروخ قادر على الوصول إلى إسرائيل، وفقًا لمعلومات استخباراتية صادرة عن سلاح الجو الإسرائيلي.
غير أن دخول صواريخ جديدة انشطارية عنقودية إلى ساحة الحرب، وما أحدثته من تأثير ودمار كبيرين على الجبهة الداخلية لإسرائيل، أثبت أن ما أثير حول انخفاض معدل إطلاق النار بنحو 90% عن ذروته، لا يعني بالضرورة قرب انهيار أو خسارة إيران.
وترى بعض التحليلات العسكرية أن الهجمات المستمرة منخفضة الكثافة تهدف إلى إضعاف الدفاعات تدريجيًا. وقد أصابت بعض الضربات أهدافًا (مثل منشآت النفط في حيفا، والمناطق السكنية في وسط إسرائيل).
هجمات حزب الله
يواصل حزب الله القصف الصاروخي بشكل يومي (من عشرات إلى أكثر من مئة صاروخ في كل يوم) وطائرات مسيرة تستهدف شمال إسرائيل (مثل كريات شمونة ومناطق حيفا).
كانت بعض التقارير الإسرائيلية قد زعمت تراجع ترسانة حزب الله (حيث لم يتبق لديه سوى 8000 إلى 10000 صاروخ و300 إلى 400 منصة إطلاق، وفقًا لقيادة شمال إسرائيل، مقابل تقديرات ما قبل عام 2023 التي كانت تتجاوز 40000 صاروخ). وتنطلق العديد من الصواريخ من شمال نهر الليطاني. وقد لوحظ تنسيق التوقيت مع إيران.
يخلق هذا الإيقاع المتزامن ضغطاً مستمراً: فالتهديدات الباليستية من إيران تُرهق الطبقات العليا، بينما تُرهق الصواريخ/الطائرات بدون طيار القبة الحديدية والأفراد.
هندسة الدفاع الإسرائيلية وأداؤها الأخير
لدى الاحتلال الإسرائيلي نظام دفاع جوي متعدد الطبقات، يشمل
- نظام السهم (أرو Arrow) 2/3: خارج الغلاف الجوي/الطبقة العليا للصواريخ الباليستية (بعيدة المدى).
- مقلاع داوود: سلاح متوسط المستوى للتهديدات الباليستية/الطائرات متوسطة المدى.
- القبة الحديدية: صواريخ قصيرة المدى، وطائرات بدون طيار، و(بشكل متزايد) تم تكييفها لمواجهة بعض التهديدات الباليستية من خلال ترقيات البرامج.
كما تساهم الأصول الأمريكية (الدعم التاريخي لنظام ثاد) وعمليات الاعتراض التي تقوم بها قوات الحلفاء في تغطية منطقة الخليج/إسرائيل.
ومع ذلك، تخترق بعض الصواريخ الدفاعات، مُسببةً أضرارًا وخسائر بشرية. وتُكمّل العمليات الهجومية (تدمير منصات الإطلاق قبل إطلاقها) هذه الدفاعات.
الاستنزاف والإجهاد التشغيلي
يُعدّ الاستنزاف نقطة الضعف الأساسية لدى الدفاع الجوي الإسرائيلي. وقد انخفضت مخزونات ما قبل الحرب بالفعل نتيجةً للحرب على إيران في يونيو 2025.
البيانات الرئيسية (حتى أواخر مارس 2026، مع تحديثات أبريل)
يشير تحليل معهد الأبحاث البريطاني RUSI إلى استهلاك حوالي 81% من مخزونات نظامي Arrow 2/3 بحلول أواخر مارس (من المحتمل أن يتم استنفادها بالكامل في بداية أبريل)؛ 54% من مخزون نظام David's Sling؛ 20% فقط من مخزون نظام Iron Dome (أقل أهمية للتهديدات الباليستية)؛ تم استنفاد حوالي 60% من مخزون نظام THAAD الأمريكي في المنطقة.
كما تحدثت صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية المعروفة بانحيازها لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنيهاهو، ووسائل الإعلام الإسرائيلية، عن ضرورة ترشيد استخدام أنظمة آرو؛ والتحول إلى نظام مقلاع داود ونظام القبة الحديدية المعدل لمواجهة التهديدات على ارتفاعات أعلى، والتي لم تُصمم هذه الأنظمة في الأساس لمواجهتها. هذا يحافظ على المخزونات عالية الجودة، ولكنه يُعرّضها لخطر انخفاض الفعالية.
وتشير تحديثات أبريل 2026 إلى أن إسرائيل تُسرّع إنتاج صواريخ آرو (ثاني زيادة كبيرة في الإنتاج خلال عام)؛ وزير الحرب يسرائيل كاتس صرّح بأن المخزونات "كافية" لكن التسريع يضمن "الحرية التشغيلية والقدرة على التحمل". وأشار مسؤولون أمريكيون في أحاديث خاصة إلى وجود نقص حاد في وقت سابق من شهر مارس.
عوامل الإجهاد
تشمل عوامل الإجهاد ما يلي:
- اختلال التوازن في التكلفة: يكلف صاروخ اعتراض واحد من طراز آرو ملايين الدولارات؛ بينما الصواريخ/الطائرات المسيرة الإيرانية أرخص بكثير. ويُرجّح الهجوم المتواصل كفة المهاجم حسابياً.
- تأخر الإنتاج: لا يمكن إعادة تزويد الصواريخ الاعتراضية بسرعة (خطوط باتريوت/ثاد الأمريكية تتوسع ولكن ليس بشكل فوري).
- الإرهاق الناتج عن تعدد الجبهات: الإنذارات اليومية من الشمال والقصف الإيراني تُرهق الطواقم والرادارات والإمدادات اللوجستية.
ويشير بعض المحللين إلى أن "مشاكل المخزون" قد تؤدي إلى خسائر بشرية إذا لم تتم إدارتها.
ماذا يقول الخبراء العسكريون؟
أشاد اللواء الإسرائيلي المتقاعد داني روتشيلد (نائب رئيس الاستخبارات العسكرية سابقًا) بمعدلات اعتراض الرسائل التي تتراوح بين 90 و98%، واصفًا إياها بأنها "منقذة للأرواح". ووصف التنسيق الأمريكي الإسرائيلي بأنه "غير مسبوق". وأشار إلى تراجع القدرات الإيرانية/حزب الله، لكنه حذر من التخطيط الإيراني طويل الأمد؛ فالصراع متعدد المسارات وليس "أبيض أو أسود".
بحسب تقرير لصحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، كشف ضباط استخبارات الجيش الإسرائيلي/القوات الجوية أن إيران لا تزال تمتلك أكثر من 1000 صاروخ في متناول اليد، وستواصل إطلاق الصواريخ "طالما استمرت الحرب" (المقدم "تيت"، استخبارات القوات الجوية). لا يُتوقع توقف عمليات الإطلاق اليومية. انخفض ترسانة حزب الله إلى ما بين 8000 و10000 صاروخ/300 إلى 400 منصة إطلاق؛ وتستمر الهجمات من عمق لبنان (المقدم في القيادة الشمالية).
بدوره، حذر ران كوتشاف (قائد سابق للدفاع الجوي/الصاروخي الإسرائيلي) من "التطمينات الكاذبة" بشأن المخزونات؛ إذ يمكن أن تتسبب قيود المخزون في مشاكل على مستوى البلاد.
فيما حذر معهد الخدمات الملكية المتحدة (RUSI) في المملكة المتحدة من اقتراب استنفاد قدرات الاعتراض بعيدة المدى؛ منوها ان التفاوت الصارخ في التكلفة يجعل الدفاع المطول غير مستدام دون إضعاف قدرات العدو هجومياً.
وقال داني سيترينوفيتش، وهو عضو مخابرات إسرائيلية سابقة، تم الاستشهاد به في وسائل الإعلام الأمريكية، إن تحول إيران إلى وابلات أصغر وأكثر استدامة يحافظ على القوة النارية لاستنزافها.
فيما أكد محللو معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، أن مخزونات الصواريخ الاعتراضية تتضاءل؛ ويتوقف النجاح على التدمير السريع لمنصات الإطلاق الإيرانية. ولفتوا إلى أن التهديد الصاروخي "يتراجع" ولكنه لم يُقضَ عليه. كما شددوا على أن تنسيق حزب الله يزيد الضغط.
ونقلت مجلة ذا أتلانتيك عن محللين أمريكيين، قولهم إن هناك "سباق" لاستنزاف الصواريخ الإيرانية قبل نفاد الدفاعات. وأشاروا إلى أن زيادة الإنتاج (مثل صواريخ باتريوت الأمريكية) أمر بالغ الأهمية، لكنها متأخرة عن وتيرة العمليات القتالية.
هل تصمد إسرائيل أمام هذا الوتيرة؟
على المدى القصير (أسابيع)، نعم. ساهمت معدلات الاعتراض العالية، وانخفاض عدد الصواريخ من إيران، والضربات المضادة القوية (آلاف في إيران، وأكثر من 3500 في لبنان) في منع الانهيار. كما ساهم تقنين الموارد وتسريع الإنتاج في كسب الوقت. لم يتم الإبلاغ عن أي انهيار شامل؛ فالبنية التحتية المدنية والمعنويات متماسكة في ظل حالة التأهب/الملاجئ.
على المدى المتوسط (أشهر)، تزداد المخاطر إذا استمر الوضع على هذا المنوال. يؤدي استنزاف مخزون صواريخ آرو إلى استخدام غير أمثل للأنظمة الأخرى، مما يزيد من خطر التسرب. تُمكّن الصواريخ المتبقية لدى حزب الله من المضايقات؛ بينما توفر صواريخ إيران التي يزيد عددها عن 1000 صاروخ القدرة على التحمل. تتزايد التكاليف الاقتصادية (الصواريخ الاعتراضية، والتعبئة) وإرهاق الأفراد. كما يُعدّ التزويد الأمريكي والمساعدة من الحلفاء أمرًا حيويًا ولكنه ليس بلا حدود.
المتغيرات الرئيسية للاستدامة
- استمرار تدهور منصات الإطلاق/الصواريخ الإيرانية (التي تضررت بالفعل بنسبة 60% أو أكثر وفقا لمزاعم جيش الاحتلال الإسرائيلي).
- توسيع نطاق الإنتاج مقابل الاستهلاك.
- إمكانية مشاركة وكلاء أوسع (مثل لأنصار الله في اليمن).
- إرادة سياسية لعمليات مطولة في ظل إشارات أمريكية باحتمالية التراجع.
ويمكن القول إن استراتيجية إسرائيل - الدفاع والاستنزاف - تعتمد على استغلال المزايا النوعية، لكن الخبراء من مختلف الأطراف يؤكدون أنها ليست استراتيجية مطلقة. وتُظهر التجارب التاريخية (حرب 2025) أن الدفاعات صمدت عندما قلّص العدوان الأمريكي والإسرائيلي التهديدات الإيرانية، لكن هذا لم يحدث حتى اللحظة، مع دخول حزب الله على خط الحرب، وتوقع انضمام اقوى من أنصار الله.







