في خطوة تعكس إرادة الصمود والتحدي وسط ركام الحرب المستمرة، أعلنت وزارة الصحة في قطاع غزة اليوم الاثنين عن إعادة تشغيل مركز صحي شهداء جباليا، وهو أحد أكبر المراكز الصحية في شمال القطاع الذي تعرض لتدمير واسع النطاق خلال حرب الإبادة الجماعية التي شنها الاحتلال الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية.
وأكدت الوزارة في بيان رسمي أن استئناف العمل في هذا المركز الاستراتيجي يأتي ضمن خطة الاستجابة الصحية العاجلة التي تتبناها لتعزيز الخدمات الطبية المقدمة لسكان مناطق شمال قطاع غزة، الذين عانوا من حصار خانق وتدمير ممنهج لكافة المرافق الحيوية.
وأوضحت الوزارة أن هذه الخطوة تهدف بشكل أساسي إلى تحسين قدرة المواطنين على الوصول إلى خدمات الرعاية الصحية الأولية والطوارئ، خاصة في ظل الضغوط الهائلة والتحديات اللوجستية الكبيرة التي يواجهها القطاع الصحي المنهك جراء الاعتداءات المتواصلة والنقص الحاد في المستلزمات الطبية والأدوية والوقود اللازم لتشغيل المولدات الكهربائية.
أهمية مركز شهداء جباليا في الشمال
يمثل مركز صحي شهداء جباليا العصب الرئيسي للخدمات الطبية في مخيم جباليا والمناطق المحيطة به، حيث يخدم مئات الآلاف من النازحين والسكان الذين رفضوا مغادرة منازلهم رغم القصف العنيف، إن إعادة تشغيل هذا المركز بعد أن حوله الاحتلال إلى ركام يبعث برسالة قوية حول قدرة الشعب الفلسطيني على إعادة بناء مؤسساته الوطنية تحت أصعب الظروف.
وتشمل الخدمات التي سيعاود المركز تقديمها رعاية الأمومة والطفولة، وعيادات الطب العام، والخدمات المخبرية، بالإضافة إلى قسم مخصص للتعامل مع الإصابات الطفيفة والمتوسطة، وهو ما سيخفف الضغط الكبير عن المستشفيات الكبرى في الشمال مثل مستشفى كمال عدوان ومستشفى العودة، اللذين يعانيان من تكدس الجرحى ونقص الأسرة، وتعمل الطواقم الطبية والفنية التابعة للوزارة على مدار الساعة لترميم الأجزاء الصالحة من المبنى واستخدام العيادات المتنقلة والخيام الطبية لاستكمال النقص في المساحات الهيكلية التي دمرها القصف الصاروخي الإسرائيلي.
حصيلة الضحايا وتحديثات أعداد الشهداء
بالتوازي مع جهود الإعمار الطبي، أصدرت وزارة الصحة في غزة تحديثاً إحصائياً شاملاً يعكس حجم المأساة الإنسانية التي حلت بالقطاع منذ بدء العدوان، حيث أعلنت الوزارة ارتفاع عدد ضحايا عدوان الاحتلال إلى 72 ألفاً و300 شهيد، بالإضافة إلى وصول عدد المصابين إلى 172 ألفاً و73 جريحاً، منذ اندلاع المواجهات في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 وحتى نيسان 2026.
وتكشف هذه الأرقام المفزعة عن حجم الاستهداف المباشر للمدنيين والبنية التحتية، حيث تشكل النساء والأطفال النسبة الأكبر من هؤلاء الضحايا، وأشارت الوزارة إلى أن الفرق الطبية والدفاع المدني لا تزال تواجه صعوبات بالغة في الوصول إلى المفقودين تحت الأنقاض، وهو ما يعني أن الأرقام المرشحة للارتفاع قد تكون أكبر بكثير مما يتم رصده وتوثيقه في السجلات الرسمية نتيجة غياب الإمكانيات التقنية والمعدات الثقيلة اللازمة لرفع الركام في المناطق المنكوبة.
الوضع الميداني بعد وقف إطلاق النار
رغم دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في الحادي عشر من تشرين الأول/أكتوبر الماضي، إلا أن قطاع غزة لا يزال يدفع ثمن التداعيات الكارثية للحرب، حيث كشفت وزارة الصحة أن إجمالي عدد الشهداء الذين ارتقوا منذ ذلك التاريخ بلغ 726 شهيداً، معظمهم توأروا متأثرين بجراحهم الخطيرة التي أصيبوا بها خلال الحرب أو نتيجة انفجار مخلفات القصف.
كما وصل عدد المصابين في هذه الفترة إلى 1968 جريحاً، وفي إطار عمليات البحث والتمشيط المستمرة في المناطق التي انسحب منها جيش الاحتلال، جرى انتشال 759 جثماناً لشهداء كانوا في عداد المفقودين منذ أشهر، حيث وُجدت جثامينهم تحت ركام المنازل المهدمة وفي مقابر جماعية مؤقتة، هذه المعطيات تؤكد أن الكارثة في غزة لم تنتهِ بوقف القصف، بل بدأت مرحلة جديدة من الكشف عن فظائع الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية، وتضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته القانونية والأخلاقية تجاه إعادة الإعمار ورفع الحصار الشامل عن القطاع.
تحديات الاستجابة الصحية المستقبلية
تختتم وزارة الصحة بيانها بالتأكيد على أن المنظومة الصحية في غزة تحتاج إلى سنوات من العمل الدؤوب ومليارات الدولارات لاستعادة كفاءتها السابقة، حيث أن تدمير المستشفيات والمراكز الصحية لم يكن عشوائياً بل كان استهدافاً ممنهجاً لشل قدرة المجتمع الفلسطيني على البقاء.
وتناشد الوزارة المؤسسات الدولية والجهات المانحة بضرورة إدخال الأجهزة الطبية التخصصية وسيارات الإسعاف التي دمر الاحتلال معظمها، فضلاً عن الحاجة الماسة لتدريب الكوادر الطبية التي فقدت المئات من أفرادها بين شهيد وجريح، إن عودة مركز شهداء جباليا للعمل هي مجرد بداية في رحلة طويلة وصعبة لإعادة بناء ما دمره الاحتلال، وهي رحلة تتطلب دعماً دولياً عاجلاً لضمان عدم انهيار المنظومة الصحية مجدداً أمام الأوبئة والأمراض التي بدأت تنتشر نتيجة تلوث المياه وانعدام الصرف الصحي في مخيمات النازحين المنتشرة في كافة أرجاء قطاع غزة المنكوب.










