شهدت الأراضي الفلسطينية المحتلة مساء اليوم الاثنين، موجة جديدة من الانتهاكات الإسرائيلية الممنهجة التي استهدفت الوجود الفلسطيني في العاصمة المحتلة وفي ريف الضفة الغربية، في إطار سياسة تهدف بوضوح إلى تضييق الخناق على السكان الأصليين ومصادرة ممتلكاتهم.
وأفادت تقارير رسمية صادرة عن "محافظة القدس" بأن سلطات الاحتلال أجبرت المواطن المقدسي خليل عبد بدران على تنفيذ عملية هدم ذاتي لمنزله الكائن في حي البستان ببلدة سلوان جنوب المسجد الأقصى المبارك.
حيث جاء هذا القرار القسري لتجنب دفع غرامات مالية باهظة تفرضها بلدية الاحتلال في حال قيام طواقمها بعملية الهدم، وهو ما يضع العائلات المقدسية أمام خيارات أحلاها مرّ، بين رؤية شقاء عمرهم ينهار بأيديهم أو الغرق في ديون مالية لا تنتهي، وتأتي هذه الخطوة في ظل تصاعد استهداف حي البستان التاريخي الذي يواجه مخططات إسرائيلية تهدف إلى تحويله لمتنزهات توراتية على حساب حقوق الفلسطينيين التاريخية والقانونية في أرضهم ومنازلهم.
مأساة حي البستان والتهجير القسري
يعتبر منزل المواطن خليل بدران نموذجاً حياً للمعاناة التي يعيشها المقدسيون، فالمنزل القائم منذ عام 2018 والممتد على مساحة نحو 100 متر مربع، كان يؤوي أربعة أفراد من العائلة وجدوا أنفسهم فجأة بلا مأوى في العراء.
وأكدت محافظة القدس أن استهداف هذا المنزل تحديداً يندرج ضمن سياسة أشمل لتفريغ حي البستان من سكانه، حيث تسعى سلطات الاحتلال منذ عقود إلى هدم مئات المنازل في هذا الحي الحيوي الملاصق للسور الجنوبي للمسجد الأقصى، وتدعي بلدية الاحتلال أن هذه المباني غير مرخصة، في حين أنها ترفض بشكل قاطع منح تراخيص بناء للفلسطينيين، مما يتركهم أمام خيار البناء الاضطراري لمواجهة التوسع الديموغرافي الطبيعي.
إن عمليات الهدم الذاتي ليست مجرد إجراء قانوني، بل هي أداة ضغط نفسي واقتصادي بشعة تهدف إلى دفع المقدسيين نحو الرحيل الطوعي عن مدينتهم، وتغيير الطابع العربي والإسلامي للمدينة المقدسة لصالح مشاريع استيطانية وتهويدية تخدم الرواية الصهيونية.
اقتلاع الزيتون في قرية مردا بسلفيت
بالتزامن مع مأساة سلوان، امتدت يد التخريب الإسرائيلية إلى ريف الضفة الغربية المحتلة، وتحديداً في محافظة سلفيت التي تشتهر بزراعة الزيتون الرومي المعمر، حيث قامت قوات الاحتلال مدعومة بالجرافات العسكرية باقتلاع مئات أشجار الزيتون من أراضي قرية مردا الواقعة إلى الشمال من مدينة سلفيت.
وأكدت مصادر محلية وشهود عيان أن عمليات الاقتلاع طالت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية المنتجة التي تشكل مصدر الرزق الوحيد لعشرات العائلات الفلسطينية.
وتركزت عمليات التجريف والاقتلاع في المناطق المحاذية للشارع الرئيسي الواصل بين بلدات ديراستيا وكفل حارس ومردا، وهو موقع استراتيجي يسعى الاحتلال للسيطرة عليه لتأمين حركة المستوطنين وتوسيع البنية التحتية للمستوطنات الجاثمة على أراضي المحافظة، ما ألحق أضراراً اقتصادية وبيئية جسيمة لا يمكن تعويضها على المدى القريب، خاصة وأن شجرة الزيتون تمثل للفلسطيني رمزاً للصمود والارتباط التاريخي بالأرض.
سياسة الأرض المحروقة والسيطرة الميدانية
إن ما حدث في قرية مردا اليوم لا يمكن فصله عن السياسة الإسرائيلية الممنهجة المعروفة بـ "الأرض المحروقة"، حيث يهدف اقتلاع الأشجار وتجريف الأراضي إلى حرمان المزارع الفلسطيني من الوصول إلى أرضه وتحويلها إلى مناطق جرداء يسهل السيطرة عليها وإعلانها "أراضي دولة" لأغراض عسكرية أو استيطانية.
وتتعرض محافظة سلفيت لهجمة استيطانية هي الأشرس، حيث تحيط بها المستوطنات من كافة الجهات وتلتهم مساحات واسعة من أحواضها الزراعية.
ويشكل استهداف الأشجار والمزروعات ضربة قاصمة للأمن الغذائي الفلسطيني ومحاولة لكسر إرادة المزارعين المرابطين في أراضيهم، وتؤكد الوقائع الميدانية أن هذه الإجراءات القسرية تتزايد وتيرتها في ظل غياب الرقابة الدولية الفاعلة، مما يشجع سلطات الاحتلال على الاستمرار في تغيير المعالم الطبيعية والديموغرافية للضفة الغربية، والحد من أي توسع عمراني أو زراعي فلسطيني مستقبلي في تلك المناطق الحيوية.










