أكد الخبير الاستراتيجي الدكتور محمد خليل مصلح أن القراءة السائدة لرئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو بوصفه قائداً أمنياً يسعى لتحقيق نصر عسكري هي قراءة قاصرة ومضللة. ويؤكد أن الفهم الأدق لطبيعة قراراته ينطلق من كونه سياسياً محاصراً داخلياً، يستخدم الحرب كوسيلة و"أكسجين" للبقاء، وليس كخيار استراتيجي لتحقيق أهداف قومية.
وأوضح "مصلح"، في تصريحات لـ"180 تحقيقات"، أن كل قرار عسكري يتخذه نتنياهو يجب أن يُفهم ضمن هذا السياق الضيق، حيث تتحول الحرب إلى أداة لإطالة عمره السياسي وتأجيل استحقاقات داخلية ضاغطة. هذا التحليل يعيد تفسير سلوك الاحتلال في إدارة الصراعات، خاصة منذ تصاعد الجرائم بحق الفلسطينيين منذ أكتوبر 2023 بدعم أمريكي مباشر.
وأضاف أن هذه المقاربة تكشف جانباً أكثر قتامة في المشهد، حيث تصبح القرارات العسكرية، بما تحمله من كلفة بشرية وإنسانية، رهينة حسابات شخصية وسياسية داخلية، لا ترتبط بالضرورة بأمن أو استقرار المنطقة.
حصار داخلي متفاقم
أوضح مصلح أن نتنياهو يواجه أربع جبهات داخلية متزامنة تشكل ضغطاً غير مسبوق على مستقبله السياسي. فعلى المستوى القضائي، تنتظره ثلاث قضايا فساد قد تفضي إلى محاكمته، ما يجعل أي توقف للحرب بمثابة اقتراب مباشر من قفص الاتهام.
وعلى المستوى الائتلافي، يعتمد نتنياهو على شخصيات متطرفة مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، اللذين لا يقدمان له دعماً مستقراً، بل يمارسان عليه ضغوطاً وابتزازاً سياسياً مستمراً، مع استعداد دائم لاستبداله بحكومة أكثر تشدداً. هذا الوضع يضعه في حالة توازن هش داخل حكومته.
أما عسكرياً وشعبياً، فيواجه نتنياهو تباينات مع قيادة الجيش التي أبدت تذمراً علنياً من استراتيجيته، إضافة إلى استمرار الاحتجاجات الشعبية منذ عام 2023، مع تآكل قاعدته الاجتماعية. هذه المعطيات مجتمعة تجعل الحرب، وفق التحليل، ضرورة للبقاء وليس خياراً سياسياً.
تعارض مع واشنطن
أشار مصلح إلى أن العلاقة بين نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب لا يحكمها توافق كامل، بل تعارض بنيوي في الأولويات. فبينما يسعى نتنياهو إلى استمرار الحرب لإزالة ما يصفه بالتهديد الإيراني وضمان بقائه السياسي، يركز ترامب على تحقيق مكاسب اقتصادية وانتخابية عبر الصفقات والضغط السياسي.
هذا الاختلاف في الأدوات والأهداف يجعل نتنياهو عقبة موضوعية أمام مشروع ترامب، بغض النظر عن طبيعة العلاقة الشخصية بينهما. فالحرب المستمرة التي يدفع نحوها نتنياهو تتعارض مع رغبة ترامب في تجنب كلفة التصعيد المفتوح.
ويؤكد التحليل أن هذا التباين يخلق حالة من التوتر غير المعلن بين الطرفين، حيث يتحرك كل منهما وفق حساباته الخاصة، ما يزيد من تعقيد المشهد الإقليمي ويؤثر على مسارات التصعيد والتهدئة.
لعب مزدوج خطير
بيّن مصلح أن نتنياهو يدير استراتيجيته عبر مسارين متناقضين في آنٍ واحد، حيث يسعى من جهة إلى جر الولايات المتحدة نحو مواجهة أوسع مع إيران عبر التصعيد التدريجي، ومن جهة أخرى يحاول امتصاص تداعيات الخلاف مع واشنطن من خلال الاعتماد على الدعم الإنجيلي وقاعدته اليمينية الداخلية.
غير أن هذا التوازن هش بطبيعته، إذ إن كل تصعيد يفرض كلفة اقتصادية وسياسية على الولايات المتحدة، ما يقلل من استعداد ترامب للانخراط في مواجهة أوسع. وبالتالي، فإن نتنياهو يضعف أداته الأساسية في الضغط على واشنطن مع كل خطوة تصعيدية.
وأضاف أن هذا التناقض يؤدي إلى استنزاف مزدوج، حيث يتآكل رصيده الداخلي في ظل الضغوط المتزايدة، وفي الوقت نفسه يفقد قدرته على التأثير في القرار الأمريكي، ما يضعه في موقع أكثر هشاشة مع مرور الوقت.
إدراك إيراني دقيق
في المقابل، لفت مصلح إلى أن إيران تدرك طبيعة هذه المعادلة، وتتعامل معها ببراغماتية واضحة. فهي لا تسعى إلى تحقيق نصر عسكري مباشر على الولايات المتحدة أو الاحتلال، بل تركز على إدارة الصراع بطريقة تمنع نتنياهو من تحقيق أهدافه.
وأكد أن طهران تتجنب منح نتنياهو ذريعة لتوسيع الحرب، عبر تنفيذ ردود محدودة ومدروسة تحافظ على مستوى الضغط دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة. هذا النهج يعكس فهماً عميقاً لطبيعة التوازنات الحالية.
وأضاف أن المنطق الإيراني يقوم على ترك نتنياهو في مواجهة خياراته الداخلية، دون تقديم مبرر خارجي يمكن أن يوظفه لتبرير التصعيد، ما يضعه في مأزق سياسي متزايد.
أداة الضغط الأمريكية
نوّه مصلح إلى أن ترامب لا يحتاج إلى اتخاذ قرارات دراماتيكية لإضعاف نتنياهو، بل يمكنه استخدام أداة أكثر فاعلية تتمثل في التراجع الصامت عن تقديم الحماية السياسية. هذا التراجع قد يظهر في تأخر الردود، أو التغاضي عن الضغوط القضائية، أو السماح بتحركات قانونية دولية.
وأوضح أن الفرق بين أن تتحول واشنطن إلى خصم مباشر، وبين أن تتوقف عن كونها حليفاً داعماً، يمثل فارقاً جوهرياً في الكلفة السياسية. فالتخلي الصامت يحقق النتائج دون تحمل تبعات المواجهة العلنية.
كما شدد على أن ترامب يضع سقفاً واضحاً لتحمله التصعيد، يرتبط بتأثيره على أسعار النفط أو على الانتخابات الأمريكية، وعند هذا الحد قد يفضل ترك نتنياهو يواجه مصيره دون تدخل مباشر.
سقوط بلا مواجهة
خلص مصلح إلى أن المفارقة الأساسية تكمن في أن نتنياهو، الذي يخوض مواجهات على عدة جبهات، قد لا يسقط نتيجة ضربة خارجية، بل بسبب تآكل الدعم الذي يعتمد عليه. فانسحاب الحماية الأمريكية بشكل هادئ كفيل بفتح المجال أمام خصومه الداخليين للتحرك.
ولفت إلى أن إيران، في هذا السياق، قد لا تحقق نصراً تقليدياً، كما أن نتنياهو قد لا يُهزم عسكرياً، لكن تغير موازين الدعم الدولي سيؤدي إلى نتائج حاسمة على المستوى السياسي الداخلي.
واختتم بالتأكيد على أن نتنياهو لا يخشى خصومه الخارجيين بقدر ما يخشى لحظة توقف الحرب، لأن هذه اللحظة تمثل بداية المواجهة الحقيقية مع أزماته الداخلية، وبداية العد التنازلي لمستقبله السياسي.







