في تصعيد ميداني خطير يعكس استراتيجية الاحتلال الإسرائيلي في قضم الأراضي الفلسطينية وتدمير مقومات صمود المزارعين، أقدمت جرافات الاحتلال اليوم الخميس على اقتلاع العشرات من أشجار الزيتون المعمرة في بلدة تقوع، الواقعة جنوب شرق مدينة بيت لحم.
هذا الاعتداء الذي استهدف منطقة "البقعة" الحيوية عند المدخل الغربي للبلدة، لم يكن مجرد إجراء عسكري عابر، بل يندرج ضمن مخطط أوسع يهدف إلى توسيع النفوذ الاستيطاني حول الأبراج العسكرية المقامة في المنطقة، وتضييق الخناق على المواطنين الفلسطينيين من سكان بلدتي تقوع وسعير، الذين يمتلكون هذه الأراضي ويفلحونها منذ عقود، مما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية قانونية وأخلاقية لوقف هذه الجرائم التي تستهدف البيئة والإنسان والجغرافيا الفلسطينية بشكل متزامن.
تفاصيل اعتداء تقوع: الجرافة في خدمة المشروع الاستيطاني
أكد رئيس مجلس بلدي تقوع، محمد البدن، أن عمليات التجريف والاقتلاع تركزت في الأراضي المحيطة بالبرج العسكري المقام عند المدخل الغربي للبلدة، وهي أراضٍ تعود ملكيتها لمواطنين من بلدة سعير شمال الخليل، مما يوضح أن الاستهداف يطال التواصل الجغرافي بين محافظات جنوب الضفة.
إن اقتلاع أشجار الزيتون في هذه المنطقة تحديداً يهدف إلى إخلاء الساحات المحيطة بالنقاط العسكرية الإسرائيلية وتأمين محيطها على حساب أرزاق المواطنين، وهي سياسة تتبعها قوات الاحتلال لفرض مناطق عازلة تمنع المزارعين من الوصول إلى حقولهم، مما يؤدي بالضرورة إلى إهمال الأرض تمهيداً لمصادرتها تحت ذرائع أمنية واهية لا تصمد أمام القوانين الدولية التي تجرم المساس بالممتلكات الخاصة في الأراضي المحتلة.
شوارع الاستيطان: خطة عزل المناطق الشرقية لبيت لحم
لم يتوقف العدوان عند اقتلاع الأشجار، بل أشار البدن إلى أن سلطات الاحتلال شرعت مؤخراً في استكمال شق شارع استيطاني ضخم يبدأ من مستوطنة “تقوع A” وصولاً إلى منطقة البرية شرقا، بطول يصل إلى حوالي 10 كيلومترات.
هذا الشارع ليس مجرد طريق للمواصلات، بل هو أداة استعمارية لربط المستوطنات ببعضها البعض وخلق تواصل جغرافي إسرائيلي يقطع أوصال القرى الفلسطينية ويحرمها من عمقها الطبيعي في البادية الشرقية.
إن شق هذه الطرق يترتب عليه مصادرة آلاف الدونمات ومنع الفلسطينيين من البناء أو الاستثمار في تلك المناطق، مما يحول البلدات الفلسطينية إلى "كانتونات" معزولة ومحاطة بالمستوطنات والطرق الالتفافية التي تخدم المستوطنين فقط.
الأغوار الشمالية: مأساة التجمعات السكانية تحت وطأة الإرهاب
بالتزامن مع ما يحدث في بيت لحم، تشهد مناطق الأغوار الشمالية تصاعداً غير مسبوق في وتيرة اعتداءات المستوطنين، الذين ينفذون هجمات منظمة تستهدف ترهيب الأهالي وإجبارهم على الرحيل.
إن الاعتداءات في الأغوار اتخذت طابعاً وحشياً يشمل مهاجمة المساكن ليلاً، وتدمير الممتلكات، والاعتداء الجسدي على الرعاة في المراعي.
الهدف من هذه الممارسات هو إفراغ سلة فلسطين الغذائية (الأغوار) من سكانها الأصليين لصالح التوسع الرعوي والزراعي الاستيطاني. كما أن ملاحقة المواشي وسرقتها ومنع المزارعين من الوصول إلى مصادر المياه يمثل حرباً اقتصادية تهدف إلى ضرب ركيزة الصمود الأساسية للفلسطينيين في تلك المناطق النائية والمستهدفة بالضم.
سياسة التهجير القسري: تفريغ الأرض من سكانها الأصليين
تشير المعطيات الميدانية إلى أن العامين الماضيين كانا الأكثر قسوة على سكان الأغوار، حيث أجبرت عشرات العائلات الفلسطينية على الرحيل القسري نتيجة الضغط العسكري واعتداءات المستوطنين المتكررة.
هذا الرحيل أدى إلى إفراغ تجمعات سكانية كاملة من أهلها، وهو ما يمثل تطبيقاً فعلياً لسياسة التطهير العرقي الصامت. إن تناقص عدد العائلات في التجمعات المتبقية ينذر بخطر زوال هذه التجمعات إذا لم يتم توفير حماية دولية ودعم وطني حقيقي يعزز بقاء المزارعين والطلبة والأطفال في تلك المناطق.
إن الاحتلال يسعى من خلال هذه الضغوط إلى تحويل الأغوار إلى منطقة عسكرية مغلقة ومستوطنات زراعية، متجاهلاً كافة المناشدات الحقوقية التي تحذر من انفجار الأوضاع نتيجة هذا الظلم الممنهج.










