تعاني دولة الكيان الصهيوني من ازدواجية واضحة في السياسة إذ أفادت صحيفة هآرتس العبرية بأن وحدات الدفاع الجوي الإسرائيلي نجحت في اعتراض عدد من الصواريخ التي أُطلقت من لبنان باتجاه مدينة صفد شمال فلسطين المحتلة، بينما سقطت صواريخ أخرى في مناطق مفتوحة.
وأعلنت الجبهة الداخلية الإسرائيلية تفعيل صفارات الإنذار في مدينة صفد ومحيطها، في رد فعل سريع على هذه الهجمات التي جاءت وسط تصعيد مستمر تشهده الحدود اللبنانية-الفلسطينية.
هذه الحادثة ليست سوى حلقة جديدة في سلسلة الانتهاكات الإسرائيلية التي تُفاقم التوتر، رغم الدعوات الدولية للتهدئة، وتكشف عن هشاشة أي حديث عن سلام طالما استمر الاحتلال في فرض إرادته بالقوة.
يأتي إطلاق هذه الصواريخ كرد طبيعي على الغارات الإسرائيلية المكثفة التي شنتها قوات الاحتلال على مناطق لبنانية متعددة، بما في ذلك بيروت والبقاع وجنوب لبنان، والتي أسفرت عن سقوط عشرات الضحايا المدنيين وتدمير واسع للبنية التحتية.
ووفقا لتقارير إسرائيلية، تسبب أحد الصواريخ في أضرار بموقف سيارات في صفد، مما يؤكد أن الرد اللبناني لم يكن عشوائيا بل جاء لمواجهة الاعتداءات المستمرة. هذا التصعيد يحدث في وقت يحاول فيه الاحتلال الإسرائيلي تصوير نفسه كطرف يسعى للسلام، بينما يواصل سياسة "التفاوض تحت النار" التي تُعتبر في جوهرها رفضا لأي وقف حقيقي لإطلاق النار.
محادثات واشنطن.. جولة تحضيرية تحت ظلال الغارات
أعلن مسؤول إسرائيلي ومصدر مطلع على المحادثات أن سفراء إسرائيل ولبنان والولايات المتحدة سيعقدون اليوم في واشنطن جولة أولى من المحادثات التحضيرية تمهيدا لمفاوضات مستقبلية بين إسرائيل ولبنان. وتهدف هذه الجولة الأولى إلى التوصل إلى اتفاق حول شروط وجدول أعمال المفاوضات المباشرة، والتي تصر إسرائيل على أنها تهدف إلى نزع سلاح حزب الله وإقامة ما تسميه "علاقات سلمية" بين البلدين. بحسب شبكة سي إن إن، من بين أبرز القضايا المطروحة مطالبة لبنان بموافقة إسرائيل على وقف إطلاق النار كشرط أساسي لاستمرار أي مفاوضات.
يشارك في هذه المحادثات ميشيل عيسى، سفير الولايات المتحدة لدى لبنان، إلى جانب يحيئيل ليتر، سفير إسرائيل لدى الولايات المتحدة، بينما تترأس ندى حمادة معوض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، الجانب اللبناني. وأجرت الأطراف الثلاثة اتصالا هاتفيا تحضيريا يوم الجمعة، اتفقوا خلاله على عقد اجتماع أولي الثلاثاء المقبل في مقر وزارة الخارجية الأمريكية.
هذه الخطوة تأتي تحت ضغط أمريكي مباشر من إدارة الرئيس دونالد ترامب، الذي يحاول احتواء التصعيد الذي يهدد الهدنة الهشة مع إيران، لكنها تكشف في الوقت نفسه عن محاولة إسرائيلية لفرض شروطها العدوانية تحت غطاء دبلوماسي.
رفض لبناني للتفاوض تحت النار.. وإصرار إسرائيلي على الاستمرار في القتل
صرح مسؤولون لبنانيون بأنهم لن يتفاوضوا تحت ضغط النيران، مطالبين بوقف فوري وشامل لإطلاق النار كشرط مسبق لأي حوار حقيقي. في المقابل، رفضت إسرائيل وقف إطلاق النار مع حزب الله، المدعوم من إيران، معتبرة إياه شرطا غير مقبول، ومصرة على مواصلة عملياتها العسكرية حتى أثناء الحديث عن المفاوضات.
هذا الموقف الإسرائيلي المتعنت يكشف زيف الرواية التي يروج لها الاحتلال، والتي تحاول تصوير حزب الله كمصدر التهديد الوحيد، متجاهلة تماما الاحتلال المستمر لأراضٍ لبنانية والمجازر التي ارتكبتها قواته منذ أكتوبر 2023، والتي أودت بحياة آلاف المدنيين في لبنان وفلسطين.
يأتي هذا التناقض في سياق أوسع يبرز الدور الأمريكي المباشر في دعم الآلة العسكرية الإسرائيلية، حيث تواصل واشنطن تقديم الغطاء السياسي والعسكري للكيان المحتل رغم الخسائر البشرية الهائلة. اللبنانيون، بدعم من المقاومة، يرفضون أي تسوية تفرض نزع سلاح المقاومة دون ضمانات أمنية حقيقية أو انسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي المحتلة. هذه المفاوضات، إن لم تكن مصحوبة بوقف حقيقي للعدوان، قد تكون مجرد محاولة جديدة لكسب الوقت واستمرار الضغط العسكري على لبنان.
الواقع الميداني.. تصعيد إسرائيلي يهدد أي تقدم دبلوماسي
يستمر الاحتلال الإسرائيلي في شن غارات مكثفة على لبنان، مستخدما أكثر من خمسين طائرة مقاتلة في بعض الجولات لإلقاء مئات القنابل على أهداف مدنية وعسكرية، مما أدى إلى ارتفاع حصيلة الشهداء إلى أكثر من ثلاثمائة في الأيام الأخيرة وحدها. في المقابل، يرد حزب الله بصواريخ وطائرات مسيرة تستهدف مواقع عسكرية إسرائيلية، مؤكدا أن المقاومة لن تتوقف طالما استمر العدوان.
هذا الواقع الميداني يجعل أي حديث عن مفاوضات سلام في واشنطن يبدو بعيدا عن الواقع، خاصة مع إصرار إسرائيل على مواصلة القتل تحت ذريعة "الدفاع عن النفس"، بينما تُخفي حقيقة مشروعها التوسعي والعدواني.
المنطقة تواجه لحظة حرجة، حيث يتقاطع التصعيد العسكري مع محاولات دبلوماسية أمريكية لاحتواء الأزمة، لكن دون الاعتراف بحقوق الشعب اللبناني والفلسطيني في المقاومة والدفاع عن أرضهما. استمرار إسرائيل في سياستها العدوانية لن يؤدي إلا إلى مزيد من الدماء، وسيظل السلام الحقيقي معلقا ما دام الاحتلال قائما وما دام الدعم الأمريكي غير المشروط يغذي آلة الحرب الإسرائيلية.









