في اللحظة الأخيرة، وقبل ساعات قليلة من انتهاء المهلة التي حدّدها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لشن ضربات "مدمّرة" على إيران، تنفّس العالم الصعداء مع إعلان هدنة مؤقتة. وجاءت هذه الهدنة بوساطة باكستانية لمدة أسبوعين، تبدأ في 7 أبريل، لتوقف الحرب بشكل مؤقت. كما يعكس هذا التطور محاولة لتفادي انفجار إقليمي واسع في اللحظات الحرجة.
ورغم هذا التوقف المؤقت للعمليات العسكرية، لا تبدو العودة إلى طاولة المفاوضات مهمة سهلة في ظل تعقيدات المشهد. وتبرز ملفات شائكة بين أطراف الصراع تجعل أي اتفاق نهائي بعيد المنال. كما يشير ذلك إلى أن الهدنة ليست سوى استراحة قصيرة في صراع طويل.
ووافق ترامب على تعليق العدوان على إيران بشرط موافقة طهران على الفتح الكامل والفوري والآمن لمضيق هرمز. وجاء هذا القرار بناءً على محادثات مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف. كما يعكس ذلك مركزية المضيق في حسابات واشنطن الاستراتيجية.
فجوة التفاوض بين أمريكا وإيران
بمجرد دخول الهدنة حيّز التنفيذ، انكشفت مجددًا عمق الهوّة بين الولايات المتحدة وإيران. ويعكس ذلك استمرار أمريكا في فرض تنفيذ سياستها المعهودة في التدخلات السياسية والعسكرية لتنفيذ مصالحها. كما يوضح أن وقف إطلاق النار لم يغيّر من طبيعة التباينات الأساسية.
وترى إيران أن المحادثات يجب أن تقتصر على الملف النووي ورفع العقوبات فقط. في المقابل، تسعى واشنطن إلى اتفاق شامل يعالج مختلف الملفات في آن واحد. كما يعكس هذا التباين صعوبة التوصل إلى أرضية مشتركة بين الطرفين.
ويُعد هذا الاختلاف في تعريف نطاق التفاوض جوهر الأزمة، إذ يجعل محادثات إسلام آباد أقرب إلى مغامرة محفوفة بالمخاطر. كما يشير إلى تعقيد البيئة التفاوضية التي تتحرك فيها الأطراف. ويؤكد أن أي تقدم يتطلب تنازلات كبيرة من الجانبين.
مسار إسلام آباد
توجّه نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس إلى باكستان على متن الطائرة الرئاسية، برفقة المبعوث الخاص ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر. وجاء ذلك في إطار محاولة لإجراء مفاوضات تهدف إلى التوصل إلى سلام نهائي.
وعند سؤال ترامب عن احتمالات النجاح، جاء جوابه مقتضبًا لكنه دال، إذ قال: "سنكتشف ذلك خلال 24 ساعة". ويعكس هذا التصريح حالة عدم اليقين التي تحيط بالمفاوضات. كما يشير إلى إدراك الإدارة الأمريكية لصعوبة المهمة.
وقبل أكثر من أسبوعين، كشفت صحيفة "نيويورك تايمز" و"القناة 12" الإسرائيلية عن مقترح أمريكي لوقف الحرب. وتضمن المقترح 15 بندًا، من بينها تفكيك البرنامج النووي الإيراني مقابل رفع كامل للعقوبات. كما قدمت إيران مقترحًا مضادًا من 10 نقاط يتضمن ضمانات أمنية بعدم التعرض لها.
ورقة هرمز
يمثل مضيق هرمز أحد أبرز القضايا الخلافية بين واشنطن وطهران في المرحلة الحالية. ولا يقتصر دوره على كونه ممرًا مائيًا، بل يعد شريانًا حيويًا يمر عبره نحو 20% من نفط العالم. كما يعكس ذلك أهميته الاستراتيجية في معادلة الطاقة العالمية.
ومنذ اندلاع العدوان في 28 فبراير، تحوّل المضيق إلى ورقة ضغط رئيسية بيد إيران. واتهمت واشنطن طهران بمنع مرور السفن بشكل آمن، ما أدى إلى اضطرابات في أسواق الطاقة. كما تسبب ذلك في ارتفاع الأسعار وتراجع الإمدادات عالميًا.
وتطالب الولايات المتحدة بإبقاء المضيق مفتوحًا كممر ملاحي حر، وتعتبر ذلك شرطًا غير قابل للتفاوض. في المقابل، ترى إيران أن سيادتها عليه حق قانوني، وتستخدمه كورقة تفاوضية. كما يبرز هذا الملف كأحد أعقد القضايا المطروحة على الطاولة.
الصواريخ الباليستية
يعد البرنامج الصاروخي الإيراني أحد أبرز نقاط الخلاف في المفاوضات الحالية. وكان غياب القيود عليه سببًا رئيسيًا لانسحاب واشنطن من اتفاق 2015. كما عاد هذا الملف ليحتل موقعًا مركزيًا في النقاشات.
وأكد وزير الخارجية الأمريكي روبيو أن مدى الصواريخ الإيرانية يتزايد سنويًا بوتيرة سريعة. واعتبر أن استمرار تطويرها يشكل تهديدًا مباشرًا للأمن الإقليمي. كما يعكس ذلك قلقًا أميركيًا متصاعدًا.
في المقابل، تصر إيران على أن برنامجها الصاروخي دفاعي وغير قابل للتفاوض. وترفض ربطه بالملف النووي أو أي اتفاق شامل. كما تؤكد أنه عنصر أساسي في استراتيجيتها الدفاعية.
نفوذ إقليمي
تمثل شبكة وكلاء إيران في المنطقة ركيزة أساسية في استراتيجيتها الإقليمية. وتشمل هذه الشبكة المقاومة في اليمن ولبنان والعراق وغزة وسوريا. كما تستخدمها طهران كأداة نفوذ وتأثير.
وترفض إيران إدراج هذا الملف في المفاوضات، معتبرة أنه جزء من سيادتها. في المقابل، ترى الولايات المتحدة أن هذه الشبكات تمثل مصدرًا رئيسيًا لعدم الاستقرار. كما تطالب بوقف دعمها أو تقليصه.
ويجعل هذا التباين من ملف الوكلاء أحد أعقد القضايا المطروحة. كما يعكس تضاربًا عميقًا في الرؤى بين الطرفين. ويؤكد صعوبة التوصل إلى اتفاق شامل.
العقوبات المجمدة
تراكمت العقوبات على إيران منذ عام 1979، وازدادت حدتها خلال سياسة "الضغط الأقصى". وتُقدر الأموال الإيرانية المجمدة بنحو 100 مليار دولار. كما تمثل هذه الأموال ورقة ضغط رئيسية بيد واشنطن.
وتربط الولايات المتحدة رفع العقوبات بتغيير سلوك إيران النووي والإقليمي. كما تستخدم الأصول المجمدة كورقة تفاوضية لتحقيق مكاسب. ويعكس ذلك اعتماد واشنطن على أدوات اقتصادية في الضغط.
في المقابل، تطالب إيران برفع فوري وشامل للعقوبات والإفراج عن أموالها. وتعتبر هذه العقوبات سببًا رئيسيًا للأزمة الاقتصادية الداخلية. كما تؤكد أن الإفراج عن الأموال حق قانوني غير قابل للمساومة.









