تصر اسرائيل على فصل ملف لبنان عن ملف المفاوضات بين إيران وواشنطن، واضح جدا الهدف إبقاء حالة الحرب في المنطقة توظيف داخلي للهروب إلى الامام، نتنياهو لا يستكيف الوقوف دون حروب حتى لا يخضع للمحاكمات والتحقيقات والمثول أمام المحكمة.
في تحليلنا نضمن المشهد ثلاثة أقسام
القسم الأول: المشهد الداخلي اللبناني بين الحرب والانقسام
لبنان يعيش اليوم مرحلة خطيرة من التداخل بين الحرب على جنوب البلاد والانقسام الداخلي العميق حول طبيعة العلاقة مع إسرائيل.
- في الجنوب، يُلاحظ حالة شبه نزوح شامل، وانهيار مالي واقتصادي، وضربات جوية وبرية مكثفة، ما حوّل المنطقة إلى «جبهة استنزاف» لا يمكن لبيروت الاستمرار في تحمل أعبائها دون مخرج سياسي.
- على الصعيد السياسي، يظهر تقسّم حاد: تيار رسمي يرى في المفاوضات المباشرة مع إسرائيل مخرَجًا لإنهاء الدمار، ويربطه بانسحاب إسرائيلي وضمانات دولية، وتيار مقاومة يعتبر أن المفاوضات تحت النار محاولة لتفكيك قدرة لبنان الدفاعية، وتحويل حزب الله إلى «عبء» يُستغَل داخليًا ودوليًا، لإشعال حرب أهلية والانقضاض على السيادة اللبناني، إنهاك لبنان بحرب داخلية، إقامة شريط أمني داخل لبنان يتجاوز خط الليطاني.
بهذا الشكل، يصير الجنوب ليس مجرد خط مواجهة، بل ملعبًا لخوض معركة الخطاب: هل الحرب يُنتهي بها عبر مفاوضات تُعيد رسم العلاقة مع إسرائيل، أم تُستخدم كذريعة داخلية لتفكيك قوة الردع ذاتها؟
القسم الثاني: طبيعة المفاوضات المباشرة بين إسرائيل ولبنان
المفاوضات المباشرة التي أُعلنت بين إسرائيل ولبنان في واشنطن لا تُعقد في سياق وقف نار، بل تجري وسط تصعيد ميداني متواصل، ما يُعدّ ظاهرة جديدة في المشهد العربي–الإسرائيلي.
- من زاوية إسرائيل:
- تنظَر إليها المفاوضات كفرصة لإخراج جنوب لبنان من دائرة «الحرب بالوكالة»، وتحويل الصراع إلى علاقة ثنائية رسمية، تُعطيها حرية أوسع في إدارة أمنها دون حسابات إقليمية معقّدة.
- الشرط المركزي هو إضعاف أو تحييد حزب الله، عن طريق نزع سلاحه،أو تقييد أدواره العسكرية،خاصة في جنوب لبنان، مع محاولة ترسيم «منطقة عازلة» أو ترتيبات أمنية تُقلّل من قدرته على فتح جبهة مفتوحة.
- تُضاف إلى ذلك ضغوط ميدانية متزامنة: قصف وتوغلات، وعمليات قطع للبنية التحتية، بهدف فرض «وقائع جديدة» على الأرض قبل الجلوس إلى طاولة المفاوضات.
- من زاوية لبنان:
- تحاول السلطة الرسمية في لبنان ربط المفاوضات بثلاثة ثوابت: وقف حقيقي لإطلاق النار، انسحاب إسرائيلي كامل من النقاط المحتلة، وضمان دولي، خصوصًا من الولايات المتحدة، على تنفيذ الاتفاق.
- في الداخل، يُروّج قطاع رسمي إلى المفاوضات كفرصة تاريخية لوقف الدمار، وتحويل لبنان إلى دولة لها اتفاق رسمي مع إسرائيل، بدل أن يبقى جبهة مفتوحة للحرب، لكن بشرط ألا يؤدي ذلك إلى تفكيك قدرة الدفاع الوطنية، أو إضعاف قرار الدولة.
القسم الثالث: سيناريوهات مستقبلية بين تفكيك السيادة واستعادة ردع الدولة
السؤال الأساسي ليس فقط: هل تُبرَم اتفاقية، بل: ما نوع الاتفاق؟ وهل يُعيد ترتيب ميزان القوة لصالح لبنان، أم لصالح إسرائيل؟
- السيناريو الأول: تسوية لصالح إسرائيل وتفكيك الردع
- يتم التوصل إلى اتفاق يُكرّس انسحابًا إسرائيليًا محدودًا، وتفكيكًا لجزء من قدرات حزب الله، وتأسيس «مناطق عازلة» أو تواجد مراقبة أمنية مقبولة، تُقلّل من قدرة لبنان على المواجهة.
- في هذه الحالة، يُصبح الانسحاب في الشكل مكسبًا لبنانيًا، لكن في الجوهر: تضحي لبنان بجزء مهم من قدرتها الردعية، وتدفع ثمنًا داخليًا من الانقسام والاغتيال الاجتماعي في الجنوب.
- السيناريو الثاني: تسوية معتدلة تحفظ قدرة الردع
- تُبرم اتفاقية تُوقِف إطلاق النار، وتنسّق الانسحاب الإسرائيلي، وتعزّز دور الجيش واليونيفيل، وتحفظ قدرة حزب الله كقوة ردع ضمن إطار قرار الدولة، لا بديلًا عنها.
- هذا السيناريو يمنح لبنان مساحة للانتعاش، ويعيد ترتيب قواعد الاشتباك مع إسرائيل، لكنه يُبقي على توتر مستمر في مسألة قدرة المقاومة، واحتمالات تفكك سياسي داخلي.
- السيناريو الثالث: فشل المفاوضات وتصعيد مفتوح
- إذا تشدّد أحد الطرفين في شروطه (إسرائيل في نزع السلاح، أو لبنان في رفض أي تفكيك دفاعي)، قد تنهار الجولة، وتعود الحرب مفتوحة على امتداد جغرافي واسع، تُعيد رسم أولويات الطرفين والمجتمع الدولي.
- في هذه الحالة، تُصبح المفاوضات مجرد مرحلة تكتيكية، وتفشل في ترسيم أي خطوط حمراء، ويعود الجنوب إلى مربع «الحرب المفتوحة».
خلاصة قسمية موجزة
- المشهد الداخلي يُشير إلى أن لبنان يتصارع بين وقف الدمار وتفكيك قدراته الدفاعية.
- المفاوضات المباشرة هي محاولة ترسيم قواعد جديدة للعلاقة مع إسرائيل، لكنها تُدار تحت النار، ما يُقلّل من قدرة لبنان على التفاوض من موقع قوة.
- السيناريوهات المستقبلية تدور بين استسلام مُقنّع في ملف الردع، وسلام محفوف يحافظ على قدرة الدولة، وحرب مفتوحة في حال تعطّل التفاوض.
يتبع خطوط حزب الله الحمر..










