بدأت في العاصمة الباكستانية إسلام آباد، اليوم السبت، جولة من المحادثات الثلاثية الرفيعة المستوى تجمع بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان، في محاولة جادة لتحويل هدنة هشة استمرت ستة أسابيع إلى اتفاق سلام دائم ينهي حرباً ألقت بظلالها على المنطقة بأكملها وعلى الاقتصاد العالمي.
ووفقا لوكالة رويترز التي نقلت عن مصدر باكستاني مسؤول، فإن هذه المفاوضات تمثل أعلى مستوى من التواصل المباشر بين واشنطن وطهران منذ عقود، وسط أجواء من الحذر الشديد والشروط المتبادلة التي تهدد بإفشال الجهود قبل أن تبدأ فعليا.
وتأتي هذه المحادثات بعد أسابيع من التصعيد العسكري الذي أدى إلى حرب مكلفة، إذ لعبت باكستان دور الوسيط والمضيف الرئيسي، محاولةً استغلال موقعها الجيوسياسي لتعزيز نفوذها الإقليمي. ومع ذلك، تظل الثقة بين الطرفين ضعيفة للغاية، خاصة مع إصرار الجانب الإيراني على ضمانات مسبقة تتعلق بوقف الانتهاكات في لبنان ورفع جزئي للعقوبات، في مقابل ضغط أمريكي يرفض أي "لعب" أو تأخير في التوصل إلى صفقة سريعة.
وفود رفيعة المستوى تصل إسلام آباد
وصل الوفد الأمريكي إلى إسلام آباد صباح يوم السبت على متن طائرتين عسكريتين أمريكيتين، برئاسة نائب الرئيس جي دي فانس، ويضم المبعوث الخاص ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر صهر الرئيس الحالي دونالد ترامب. كان في استقبالهم قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير ووزير الخارجية إسحق دار، في مشهد يعكس الاهتمام الباكستاني الكبير بنجاح هذه الوساطة. وفقاً لتقارير رويترز، رافق الوفد الأمريكي فرق كاملة من الخبراء في المجالات الأمنية والاقتصادية والقانونية والعسكرية، لدعم المفاوضات بتفاصيل فنية دقيقة.
أما الوفد الإيراني فقد وصل قبل يوم واحد، ويترأسه رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي. عقد الوفدان لقاءات ثنائية منفصلة مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف قبل الانتقال إلى الجلسات الثلاثية، التي تحولت في مراحل لاحقة إلى مفاوضات مباشرة بحضور الوسطاء الباكستانيين. استمرت الجلسة الأولى حوالي ساعتين قبل أن تتوقف لاستراحة، وسط إجراءات أمنية مشددة شملت إغلاق أجزاء واسعة من العاصمة ونشر قوات إضافية.
القضايا الشائكة على طاولة المفاوضات
تركز المحادثات على جملة من الملفات الحساسة التي تشكل جوهر النزاع، وعلى رأسها السيطرة على مضيق هرمز الذي يُعد شريان الحياة لتدفق النفط العالمي، بالإضافة إلى قضية تعويضات الحرب وإعادة فتح الممرات البحرية بأمان. كما يطرح الجانب الإيراني مطالب تتعلق بالوضع في لبنان ورفع بعض العقوبات الاقتصادية التي أثقلت كاهل الشعب الإيراني لسنوات طويلة، في محاولة لاستعادة بعض التوازن بعد الضربات التي تعرضت لها البنية التحتية والقدرات الدفاعية. بحسب ما نقلته رويترز عن مصادر مطلعة، فإن الاقتراح الباكستاني يشمل إطاراً يبدأ بهدنة فورية يتبعها اتفاق شامل يُعرف مؤقتاً بـ"اتفاق إسلام آباد".
ومع ذلك، تظهر الشكوك الإيرانية بوضوح، حيث أكدت طهران أنها لن تقبل أي مفاوضات دون تعهدات مسبقة تحول دون تكرار الانتهاكات، خاصة مع استمرار بعض الضربات في جنوب لبنان. في المقابل، يصر الجانب الأمريكي على ضرورة الوصول إلى نتائج ملموسة دون إضاعة الوقت، معتبراً أن أي محاولة للمماطلة ستكون مرفوضة تماماً. هذا التباين في المواقف يجعل المهمة الباكستانية صعبة للغاية، إذ يتعين عليها التوفيق بين مطالب متضاربة في وقت يعاني فيه الاقتصاد العالمي من تداعيات إغلاق المضيق وارتفاع أسعار الطاقة.
دور باكستان بين الطموح والمخاطر
تلعب باكستان دوراً محورياً في هذه المحادثات، ليس فقط كمضيف بل كوسيط نشط يسعى لتعزيز موقعه الإقليمي والدولي. أكد رئيس الوزراء شهباز شريف أن هذه المفاوضات تمثل "فرصة حاسمة" لتحقيق وقف إطلاق نار دائم، محذراً من أن فشلها قد يعيد المنطقة إلى دوامة العنف. ومع ذلك، يحمل هذا الدور مخاطر كبيرة، خاصة في ظل التوترات الإقليمية والضغوط الدولية التي قد تؤثر على علاقات إسلام آباد مع مختلف الأطراف. بحسب تقارير رويترز، أعدت السلطات الباكستانية خططاً أمنية واسعة النطاق لضمان سلامة الوفود، مع إعلان عطلة رسمية في بعض المناطق لتسهيل الإجراءات.
يأتي هذا الجهد الدبلوماسي في سياق أوسع يعكس محاولات إعادة رسم خريطة النفوذ في الشرق الأوسط، حيث تسعى أطراف خارجية لفرض رؤيتها على حساب استقرار الشعوب. وفي الوقت الذي يُروج فيه البعض لهذه المحادثات كخطوة نحو السلام، يبقى السؤال معلقاً حول ما إذا كانت ستؤدي فعلاً إلى حلول عادلة أم ستكون مجرد محاولة لإعادة ترتيب الأوراق تحت ضغط المصالح الاستراتيجية.
تداعيات محتملة على المنطقة والعالم
إذا نجحت هذه المحادثات، فقد تفتح الباب أمام عودة تدريجية للاستقرار في الملاحة البحرية وانخفاض أسعار الطاقة، مما ينعكس إيجاباً على اقتصادات عديدة تعاني من الارتفاع الحاد في تكاليف الشحن والوقود. أما إذا فشلت، فإن احتمال عودة التصعيد يظل قائماً، خاصة مع استمرار التوترات المرتبطة بالوجود العسكري الأجنبي في المنطقة والدعم غير المشروط لبعض الأطراف الإقليمية. يتابع المراقبون هذه التطورات باهتمام بالغ، مدركين أن أي اتفاق يجب أن يراعي حقوق الشعوب ويضع حداً للانتهاكات المستمرة منذ سنوات، بدلاً من أن يكون مجرد ترقيع مؤقت يخدم أجندات محددة.
ستظل الأيام القادمة حاسمة في تحديد مصير هذه المفاوضات، مع استمرار الجلسات الفنية بمشاركة الخبراء من كلا الجانبين. يبقى الأمل معلقاً على أن تسفر الجهود الدبلوماسية عن نتائج حقيقية تخفف من معاناة الشعوب، بعيداً عن الحسابات السياسية الضيقة التي طالما أعاقت السلام العادل في المنطقة.









