أكد المحلل السياسي الفلسطيني، محمد مصطفى شاهين،، أن ما شهدته مدينة أم الفحم من اعتداءات واعتقالات بحق المحتجين السلميين ليس حدثاً هامشياً أو مجرد إجراء أمني عابر.
وأوضح شاهين في تصريحات خاصة لموقع "180 تحقيقات" أن هذه التطورات تمثل مؤشراً عميقاً على تحول نوعي وجذري في إدارة الكيان الصهيوني لمعادلة الصراع الداخلي، خاصة في ظل هيمنة اليمين المتطرف بقيادة "إيتمار بن غفير" على ملف الأمن والشرطة.
وأشار إلى أننا نشهد اليوم انتقالاً واضحاً من "مربع إدارة التناقض" إلى "مربع فرض الإرادة بالقوة المطلقة"، حيث لم تعد الاعتقالات رد فعل أمنياً تقليدياً، بل هي رسالة سياسية وعقابية مدروسة تهدف إلى ترسيم حدود جديدة وضيقة للحق في التعبير والمعارضة داخل أراضي الـ48، ومحاولة لترهيب الفلسطينيين ومنعهم من إسناد قضايا شعبهم المصيرية.
دلالات جوهرية: تكريس الفصل العنصري قانونياً وتجسيد عقيدة القمع الميدانية
يرى شاهين أن اعتداء قوات الاحتلال على الوقفة السلمية الرافضة لقانون إعدام الأسرى يكشف عن دلالات جوهرية تتلخص في تكريس نظام "الأبارتهايد" أو الفصل العنصري قانونياً وميدانياً، فبينما تسمح السلطات الإسرائيلية باحتجاجات يهودية واسعة ضد الحكومة وتوفر لها الحماية، يتم قمع أي صوت فلسطيني داخل أراضي الـ48 يعبر عن تضامن طبيعي مع أبناء شعبه، ويصنف فوراً كـ "خنجر في الخاصرة"، هذا التمييز يؤكد وجود نظام مواطنة منقوصة، حيث يتم تطويع القانون لخدمة مشروع عنصري متكامل الأركان. كما اعتبر شاهين أن هذه الاعتقالات هي الترجمة الميدانية لعقيدة بن غفير، الذي يسعى لفرض "شرعية القوة" بدلاً من "قوة الشرعية"، وتحويل المدن العربية في الداخل إلى مناطق خاضعة لسيطرة بوليسية مشددة، مجرداً سكانها من حقوقهم المدنية المتساوية.
الخوف الاستراتيجي: لماذا يرتعد الكيان من اتساع رقعة الرفض في الداخل؟
ويؤكد شاهين أن هذا القمع المتصاعد يعكس حالة من الخوف العميق في العقل الاستراتيجي الصهيوني من اختراق الجبهة الداخلية. ويدرك الكيان أن "صموده الأسطوري" المزعوم ينهار بمجرد تآكل جبهته من الداخل؛ فأي حراك فلسطيني مستدام في أراضي الـ48، يتزامن مع عمليات المقاومة في غزة والضفة، يخلق حالة من "التطويق الاستراتيجي" التي يخشاها الاحتلال أكثر من أي مواجهة خارجية وإن قانون إعدام الأسرى، بقسوته المفرطة، يمثل الشرارة التي يمكن أن توحد كل الساحات ضد المحتل، خاصة بعد فشل أدوات الردع التقليدية من تنكيل وتعذيب. ويخشى الاحتلال من "العدوى الثورية"، حيث إن نجاح أم الفحم في فرض معادلتها الخاصة سيكون له تأثير "الدومينو" على باقي المدن والقرى العربية، مما قد يؤدي لشلل قدرة الدولة على المناورة في وقت الحرب.
الوزن الاستراتيجي للحراك: كشف التناقض الداخلي ونسف رواية "الضحية الديمقراطية"
للحراك الفلسطيني في الداخل وزن استراتيجي كبير يؤثر على مسار القوانين العنصرية؛ فهو يسلط الضوء على الانقسامات الجوهرية داخل المجتمع الإسرائيلي ويفضح زيف ادعاءات الديمقراطية أمام المجتمع الدولي. فصورة قوات الاحتلال وهي تعتقل مواطنيها العرب بسبب تعبيرهم عن رأي رافض للإعدام تنسف الرواية الإسرائيلية التقليدية التي تعتمد على صورة "الدولة الديمقراطية الوحيدة المحاصرة بقوى الشر"، هذا المأزق الأخلاقي والسياسي يعزز من فرص نجاح الملاحقات القانونية الدولية ضد قادة الاحتلال، حيث يقدم الحراك المدني توثيقاً حياً لانتهاكات حقوق الإنسان، مما يحول هذه القوانين العنصرية في نهاية المطاف إلى وثائق إدانة دامغة تلاحق الكيان في المحافل الجنائية العالمية.
أم الفحم كمركز رمزي للمقاومة المدنية وتجذر العمل المؤسسي
لم تعد أم الفحم مجرد مدينة، بل تحولت وفقاً لشاهين إلى حاضنة للهوية وقلعة للصمود الرمزي. ويتجلى ذلك في الثبات الأسطوري على الموقف رغم سنوات القمع والاعتقالات، حيث لم تتراجع المدينة يوماً عن قيادة الحراك الرافض للسياسات العنصرية، وإن الرمزية الجغرافية والديموغرافية لأم الفحم، بوقوعها في قلب الكيان وثقلها السكاني، تبعث برسالة دائمة بأن حلم "إسرائيل اليهودية النقية" هو محض وهم.
كما أشاد شاهين بدور "اللجنة الشعبية" في أم الفحم كنموذج للعمل المقاوم المؤسسي والمنظم، القادر على تحويل الأحداث العفوية إلى حراك استراتيجي مستدام يربك حسابات المؤسسة الأمنية الإسرائيلية ويجبر العالم على الالتفات لقضية فلسطينيي الداخل.
توقيت الاعتقالات: محاولة عزل الساحات واختبار حدود القوة الردعية
وربط شاهين توقيت هذه الاعتقالات باللحظة الجيوسياسية الحساسة التي يمر بها الصراع في 2026؛ فهي تأتي وسط استمرار جرائم الإبادة في غزة وتصاعد المقاومة في الضفة، وبعد الإقرار النهائي لقانون إعدام الأسرى في 30 مارس 2026 ويهدف الاحتلال من هذا التوقيت إلى قطع الطريق أمام أي تضامن بين الساحات وتأمين ظهره في الجبهة الداخلية ليتفرغ لحروبه الخارجية وإن هذه الاعتقالات هي بمثابة "بروفة أولى" لاختبار هيبة الدولة قبل البدء بتنفيذ أولى أحكام الإعدام بحق الأسرى، ومحاولة لفرض منطق "الإعدام" معنوياً وجسدياً ضد كل من يجرؤ على المعارضة، إلا أن شاهين يختم بأن إرادة الصمود الفلسطيني أثبتت دائماً أن القوانين العنصرية لا تصنع أمناً، وأن أم الفحم بوقفتها اليوم تؤكد أن الرفض الشعبي هو القانون الأسمى الذي سيسقط كل رهانات الاحتلال.










