أصدرت حركة المقاومة الإسلامية "حماس" بياناً شديد اللهجة اليوم الأحد، حذرت فيه من أن الاحتلال الصهيوني المجرم يتعمد تصعيد إجراءاته العدوانية باتجاه إعادة عملية "هندسة التجويع" ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، وذلك عبر فرض تضييقات واسعة النطاق على إدخال المساعدات الإنسانية الضرورية، بما في ذلك مادة الدقيق التي تعد العصب الأساسي لحياة المواطنين.
وأوضحت الحركة أن هذه السياسة الممنهجة أدت إلى ارتفاع متواصل وغير مسبوق في أسعار الخبز والسلع الأساسية، مما يفاقم معاناة السكان الذين يرزحون أصلاً تحت خط فقر مدقع نتيجة سنوات العدوان والحصار المستمر.
إن هذا التوجه الجديد للاحتلال لا يمثل مجرد إجراء تقني على المعابر، بل هو محاولة واضحة لاستخدام الجوع كأداة ضغط سياسي وميداني لابتزاز المقاومة والحاضنة الشعبية، مما يهدد بانهيار كامل للمنظومة الاجتماعية والمعيشية في القطاع الذي لم يكد يستفيق من تبعات العمليات العسكرية الأخيرة حتى وجد نفسه أمام حرب جديدة تستهدف رغيف الخبز والاحتياجات اليومية البسيطة لكل عائلة فلسطينية.
خروقات اتفاق التهدئة وتقليص الحصص المتفق عليها
من جانبه، شدد الناطق باسم حركة حماس، حازم قاسم، في تصريح صحفي صدر اليوم الأحد، على أن هذا التقييد المتعمد لتدفق المساعدات يمثل انتهاكاً فاضحاً لاتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه برعاية دولية.
حيث نصت بنود الاتفاق صراحة على إدخال كميات محددة وكافية من الشاحنات التجارية والإغاثية يومياً لتلبية احتياجات القطاع، وأكد قاسم أن الاحتلال لم يلتزم منذ بدء سريان التهدئة إلا بثلث هذه الكمية فقط، في مراوغة واضحة تهدف إلى إبقاء القطاع في حالة من عدم الاستقرار المعيشي الدائم.
إن تقليص الكميات إلى الثلث يعني عملياً حرمان مئات الآلاف من العائلات من حصصها التموينية، ويؤدي إلى جفاف المخزون الاستراتيجي لدى المخابز والمطاحن، وهو ما يفسر الطوابير الطويلة والارتفاع الجنوني في كلفة المعيشة، وتعتبر حماس أن هذا التلاعب بالكميات هو محاولة صهيونية لـ "تجميل" الحصار أمام المجتمع الدولي عبر السماح بدخول أعداد قليلة من الشاحنات، بينما الواقع الميداني يشير إلى نقص حاد في الاحتياجات الفعلية التي تضمن بقاء الإنسان على قيد الحياة.
تفنيد تصريحات ميلادينوف وصراع الروايات الدولية
وفي سياق متصل، أعربت حركة حماس عن رفضها القاطع للتصريحات الأخيرة التي أدلى بها نيكولاي ميلادينوف، والتي ادعى فيها دخول المساعدات بالكميات المتفق عليها وفق الجداول الزمنية المحددة.
واعتبرت الحركة أن هذه التصريحات تخالف الواقع الميداني الذي يرصده المتابعون والمنظمات المحلية على الأرض، وتساهم في تضليل الرأي العام الدولي وإعطاء شرعية لسياسات الاحتلال القمعية، إن حماس ترى في تبني بعض المسؤولين الدوليين لرواية الاحتلال تساوقاً مع سياسة الحصار.
ودعت إلى ضرورة توخي الدقة واعتماد التقارير الميدانية المستقلة التي تؤكد ندرة السلع وتوقف العديد من المرافق الحيوية عن العمل بسبب نقص التوريدات، إن صراع الروايات هذا يعكس حجم التحدي الذي تواجهه غزة، حيث تحاول بعض الأطراف الدولية الحفاظ على "هدوء ورقي" زائف عبر بيانات لا تلامس أوجاع الناس، بينما تصر المقاومة على أن كسر الحصار الحقيقي يبدأ من التدفق الكامل وغير المشروط لكل مستلزمات الحياة دون قيود أو تنقيط إسرائيلي ممنهج.
مطالبة الوسطاء بموقف حازم تجاه سياسة "هندسة التجويع"
واختتمت الحركة بيانها بدعوة صريحة للوسطاء والدول الضامنة لاتفاق وقف إطلاق النار، بالإضافة إلى الأطراف التي شاركت في مؤتمر شرم الشيخ ومجلس السلام، إلى ضرورة تحمل مسؤولياتهم التاريخية والأخلاقية وإعلان موقف واضح وصريح من سياسة "هندسة التجويع" الصهيونية، وشددت حماس على أنه لا يمكن السماح باستمرار هذه السياسة التي تقتل بصمت بعيداً عن أزيز الرصاص، مطالبة بالضغط الفوري على سلطات الاحتلال لفتح المعابر بالكامل وإدخال كافة الكميات المحددة في الاتفاقات الموقعة.
إن استمرار الصمت الدولي تجاه تجويع أكثر من مليوني إنسان في قطاع غزة سيؤدي حتماً إلى انفجار الأوضاع ميدانياً، فالشعب الفلسطيني لن يقبل بأن يموت جوعاً بينما تكتفي الأطراف الضامنة بدور المتفرج، وتؤكد المقاومة أن صبرها على هذه الخروقات له حدود، وأن الأمن الغذائي للفلسطينيين هو خط أحمر لا يمكن تجاوزه في أي معادلة تهدئة حالية أو مستقبلية، في ظل التكالب الغربي ومحاولات فرض واقع أمني جديد على حساب دماء وقوت البسطاء في غزة والمنطقة.










