في الوقت الذي يترقب فيه العالم انفراجة حقيقية للأزمة الإنسانية والاقتصادية في قطاع غزة، تبرز معضلة جديدة تتجاوز مجرد نقص السلع الأساسية، وهي ما يصفه المحلل الاقتصادي أحمد أبو قمر بـ "سردية التضليل" الممنهجة التي تُبنى على تضارب الأرقام والبيانات التي تُروّج دولياً.
إن خطورة ما يمر به القطاع اليوم لا تكمن فقط في سياسة التجويع المادي، بل في تقديم بيانات إحصائية تبدو في ظاهرها مطمئنة وتوحي بتحسن تدريجي، لكنها عند إخضاعها للتحليل الميداني نجد أنها لا تعكس الواقع الحقيقي المرير الذي يلمسه المواطن يومياً في الأسواق المنهكة.
إن هذا التباين الشاسع بين الرواية الرسمية وما يحدث فعلياً على أرض الواقع يخلق حالة من التخدير الدولي، ويحرف بوصلة التدخل الإنساني عن مسارها الصحيح، مما يجعل الاقتصاد الفلسطيني في غزة يرزح تحت وطأة التضليل الذي يساهم بشكل مباشر في إطالة أمد الأزمة وتعميق جراح السكان المنكوبين الذين يبحثون عن الأمان الغذائي في ركام الأرقام الزائفة.
فجوة البيانات الدولية والميدانية
تتجلى ملامح هذا التضليل عند التدقيق في التصريحات الصادرة عن جهات دولية رفيعة المستوى؛ فعلى سبيل المثال، خرج رئيس "مجلس السلام" ميلادينوف، ليعلن عن دخول 602 شاحنة مساعدات يوم الخميس الماضي، وهو رقم قد يوحي لمن يقرأه من الخارج بحدوث طفرة إغاثية غير مسبوقة، إلا أن البيانات الميدانية الدقيقة وعمليات الرصد على المعابر تؤكد أن العدد الفعلي الذي اجتاز الحدود لم يتجاوز 207 شاحنات فقط.
إن هذه الفجوة الهائلة التي تقترب من الضعفين ليست مجرد خطأ إحصائي عابر أو سوء تقدير في الجمع، بل هي مؤشر خطير على اختلاف الرواية بين ما يُقال في المحافل الدولية لتخفيف الضغط السياسي وبين ما يُسمح بمروره فعلياً، هذا الفارق يمثل مئات الأطنان من الغذاء والدواء التي تظهر على الورق كأنها "دخلت" غزة، بينما تظل في الحقيقة عالقة أو غير موجودة أصلاً، مما يضع مصداقية المنظومة الدولية على المحك في ظل استمرار المجاعة.
تحليل العجز وتراكم الاحتياجات
وعند النظر بشكل أوسع للمشهد الكلي خلال مطلع شهر أبريل الجاري، نجد أن إجمالي ما سمح الاحتلال بدخوله لقطاع غزة خلال أول 9 أيام لم يتجاوز 1020 شاحنة فقط، وهي موزعة بين 416 شاحنة تجارية و604 شاحنات مساعدات إنسانية، وإذا ما قمنا بإسقاط هذه الأرقام على الاحتياج اليومي الفعلي للقطاع الذي يُقدر بحوالي 1000 شاحنة كحد أدنى لضمان استقرار الأسواق وتوفير البدائل، نكتشف حقيقة صادمة وهي أن ما دخل غزة خلال أكثر من أسبوع كامل يعادل فقط ما يحتاجه السكان في يوم واحد من الاستهلاك الطبيعي.
هذا الخلل الهيكلي في التوريد يؤدي إلى استنزاف فوري لأي كميات تدخل، ويمنع تجار القطاع الخاص أو المؤسسات الإغاثية من بناء أي مخزون استراتيجي، مما يجعل الأسواق في حالة من العطش الدائم لكل أنواع السلع، ويحول عملية التسوق إلى رحلة شاقة للبحث عن المفقود وسط تضخم غير مسبوق في الأسعار.
الحد الأدنى الضائع والسوق السوداء
إن المعايير الإنسانية الدولية والاتفاقات الإغاثية حددت أن الحد الأدنى المتفق عليه لضمان عدم وقوع كارثة إنسانية هو دخول 600 شاحنة يومياً كشريان حياة ثابت، بينما الواقع الميداني الذي نرصده في عام 2026 يظهر أن الكميات الحالية لا تصل حتى إلى ثلث هذا الرقم في أغلب الأيام، بل إن هناك أياماً تمر دون دخول شاحنة واحدة تحت ذرائع أمنية أو تقنية واهية، وتعني الأرقام سابقة الذكر أننا أمام معادلة اقتصادية مشوهة قائمة على (عرض قليل جداً مقابل طلب مرتفع بشكل قياسي)، والنتيجة الحتمية لهذه المعادلة هي الارتفاع الجنوني في أسعار السلع الأساسية المتاحة، ونشوء واتساع رقعة السوق السوداء التي تقتات على ندرة الموارد وتتحكم في مصير العائلات الفقيرة، إن المشكلة ليست فقط في قلة الإمدادات، بل في تقديم صورة مضللة توحي بتحسن الوضع، مما يقلل من زخم الضغط الدولي المطلوب لفتح المعابر بشكل كامل وحقيقي.
مخاطر التضليل الرقمي على الأزمة
يشدد المحلل الاقتصادي أحمد أبو قمر على أن هذا التضليل لا يغير من الواقع شيئاً بل يزيد من تعقيد الأزمة؛ فعندما يتعامل العالم مع أرقام لا تعكس الحقيقة، فإنه يبني قراراته على فرضيات خاطئة توحي بأن غزة لم تعد تعاني من خطر المجاعة، وهو ما يمنح الاحتلال غطاءً للاستمرار في سياسة التنقيط الممنهج.
إن سردية التضليل تساهم في إطالة أمد الأزمة عبر امتصاص الغضب الشعبي والدولي ببيانات "ورقية" مطمئنة، بينما يظل الواقع الميداني شاهداً على انهيار منظومة الغذاء والخبز، وتلاشي القوة الشرائية تماماً، واتساع فجوة الجوع بين النازحين، إن الحقيقة التي يجب أن تُقال هي أن غزة تحتاج لتدفق يومي مستقر وحقيقي يتجاوز الـ 1000 شاحنة لتعويض العجز التراكمي لسنوات العدوان، وما دون ذلك يبقى محاولة لتجميل الكارثة بالأرقام بدلاً من حلها.







