4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

حين لا يكفي الانتصار: كيف تخسر الحروب في السياسة رغم كسبها في الميدان

قبل نحو سبعين عامًا، وتحديدًا في خريف عام 1956، دخلت إسرائيل في تحالف عسكري مع بريطانيا وفرنسا ضمن ما عُرف بـ العدوان الثلاثي على مصر، أو حملة السويس، مستهدفة وضع حد لعمليات الفدائيين المنطلقة من قطاع غزة

بقلم: أخبار ومتابعات
١٣ أبريل ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
17 مشاهدة
الحروب

الحروب

قبل نحو سبعين عامًا، وتحديدًا في خريف عام 1956، دخلت إسرائيل في تحالف عسكري مع بريطانيا وفرنسا ضمن ما عُرف بـ العدوان الثلاثي على مصر، أو حملة السويس، مستهدفة وضع حد لعمليات الفدائيين المنطلقة من قطاع غزة، إضافة إلى توجيه ضربة للجيش المصري الذي كان قد بدأ يتعزز تحت قيادة الرئيس جمال عبد الناصر، والذي اعتبرته إسرائيل تهديدًا وجوديًا متصاعدًا.

وفي مقال لـ إيّال زيسر – بصحيفة إسرائيل اليوم، في المقابل، لم تكن أهداف بريطانيا وفرنسا متطابقة مع الأهداف الإسرائيلية، إذ سعتا إلى استعادة السيطرة على قناة السويس بعد قرار تأميمها في يوليو 1956، بل وذهبت طموحاتهما إلى حد التفكير في إسقاط نظام عبد الناصر إن أمكن. هذا التباين في الأهداف سرعان ما انعكس على مجريات الحرب ونتائجها السياسية.

نصر عسكري مهزوز

انتهت الحملة عسكريًا بانتصار واضح لإسرائيل، التي تمكنت من السيطرة على شبه جزيرة سيناء وهزيمة الجيش المصري ميدانيًا، في مشهد رسخ صورة تفوقها العسكري في تلك المرحلة. غير أن هذا النصر لم يكن مكتمل الأركان، إذ سرعان ما تراجعت بريطانيا وفرنسا تحت ضغط دولي، وأعلنتا وقف العمليات، تاركتين إسرائيل في مواجهة منفردة مع مصر.

ورغم الهزيمة العسكرية التي تكبدها عبد الناصر، فإنه استطاع سياسيًا قلب المعادلة، إذ خرج من الأزمة بصورة المنتصر الذي صمد في وجه قوتين عظميين كان لهما تاريخ طويل من الهيمنة على الشرق الأوسط. هذا التحول كشف مبكرًا أن نتائج الحروب لا تُحسم فقط في ساحات القتال، بل في القدرة على توظيفها سياسيًا.

ترجمة القوة إلى مكاسب

تُعد حملة السويس، في الذاكرة الإسرائيلية، انتصارًا مهمًا ليس فقط بسبب الإنجاز العسكري، بل لأن إسرائيل نجحت في تحويل هذا الإنجاز إلى مكاسب سياسية ملموسة وطويلة الأمد. فقد تراجع نشاط الفدائيين من قطاع غزة، وتم نزع الوجود العسكري المصري من سيناء، كما حصلت إسرائيل على دعم فرنسي ساهم لاحقًا في بناء مفاعل ديمونا.

هذه النتائج ساهمت في فرض حالة من الهدوء النسبي استمرت لأكثر من عقد، وعززت مكانة إسرائيل الإقليمية عسكريًا وسياسيًا. وهو ما يعكس، وفق الكاتب، نموذجًا ناجحًا في استثمار النصر العسكري لتحقيق أهداف استراتيجية أوسع.


إخفاقات بلا حسم

بعد عقود، وتحديدًا في صيف 2006، خاضت إسرائيل حربًا ضد حزب الله فيما عُرف بـ حرب لبنان الثانية، لكنها انتهت دون صورة نصر واضحة أو حسم عسكري حقيقي. ورغم الضربات التي وُجهت للحزب، فإن المواجهة أفرزت واقعًا أكثر تعقيدًا.

فقد أدت الحرب إلى تثبيت نوع من الهدوء الهش على الحدود استمر لسنوات، لكنه كان، في نظر كثيرين داخل إسرائيل، هدوءًا خداعيًا، إذ سمح لحزب الله بتعزيز قدراته العسكرية، خاصة في مجال الصواريخ، ليصبح لاحقًا تهديدًا استراتيجيًا متصاعدًا. هذا الواقع ولّد شعورًا داخليًا بأن الحرب انتهت إلى "تعادل" أقرب إلى الخسارة السياسية.


حرب متعددة الجبهات

تتواصل فصول الصراع في السنوات الأخيرة عبر ما يسميه الكاتب حملة "زئير الأسد"، والتي يراها امتدادًا للمواجهة بين إسرائيل وإيران. ويُرجع بدايات هذه الجولة إلى هجوم حركة حماس في 7 أكتوبر 2023، والذي يعتبره ناتجًا عن دعم وإلهام إيراني، حتى لو لم يكن بتنسيق مباشر في تفاصيل التنفيذ.

توسعت المواجهة لاحقًا لتشمل هجمات صاروخية إيرانية على إسرائيل خلال أبريل وأكتوبر 2024، وصولًا إلى تصعيد أكبر في يونيو 2025. ومع إعلان وقف إطلاق النار، سارعت أطراف متعددة، من طهران إلى بيروت وواشنطن، إلى إعلان النصر، بما في ذلك تصريحات للرئيس دونالد ترامب الذي تحدث عن إمكانية تحقيق سلام عالمي.

غموض النتائج

رغم هذه التصريحات، يشير الكاتب إلى أن الصورة الحقيقية لما تحقق لا تزال ضبابية، في ظل غياب معطيات واضحة حول حجم الضرر الذي لحق بالقدرات العسكرية الإيرانية، خصوصًا برنامجها النووي وترسانتها الباليستية. ويرى أن الحكم على نتائج هذه المواجهة يحتاج إلى وقت، وربما يتغير كليًا إذا شهدت إيران تحولات داخلية كبرى خلال الأشهر المقبلة.

كما يلفت إلى أن الساحة اللبنانية تمثل مثالًا على فرص ضائعة، حيث كان بالإمكان تحقيق إنجازات أكبر، لكن القيود، خاصة الأمريكية، دفعت نحو وقف إطلاق النار، ما قد يعيد الوضع إلى ما كان عليه قبل أكتوبر 2023، بما في ذلك تقييد حرية الحركة الإسرائيلية.

معركة بلا نهاية

يخلص الكاتب إلى أن التجارب التاريخية، سواء في حملة السويس أو حرب الأيام الستة، تُظهر أن الانتصارات العسكرية لا تعني بالضرورة إنهاء الصراع، بل غالبًا ما تمنح وقتًا لإعادة ترتيب القوى والاستعداد لجولات قادمة.

ويرى أن الجولة الحالية، رغم ما يُعتقد أنه إنجازات عسكرية، لم تُحسم بعد، وأن التحدي الحقيقي يكمن في القدرة على تحويل هذه الإنجازات إلى مكاسب سياسية استراتيجية، مع العمل في الوقت ذاته على تعزيز القوة استعدادًا لمواجهات مستقبلية تبدو حتمية في سياق صراع مفتوح لا يعرف نهايات واضحة.

أخبار ومتابعات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

حين لا يكفي الانتصار: كيف تخسر الحروب في السياسة رغم كسبها في الميدان - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°