21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

د. ليون سيوفي يكتب: من التضحيات إلى الدولة..  كفانا حروبًا… وكفانا خنوعًا واستسلامًا

في تاريخِ الأوطان، لا تكونُ الحروبُ دائمًا نهايةً… بل كثيرًا ما تكونُ بدايةَ سؤالٍ أكبر: ماذا بعد؟   ولبنان، الذي دفع أثمانًا باهظةً من دماءِ أبنائه ومن استقرارِه واقتصاده

بقلم: د. ليون سيوفي
١٤ أبريل ٢٠٢٦
4 دقائق قراءة
11 مشاهدة
لبنان

لبنان

في تاريخِ الأوطان، لا تكونُ الحروبُ دائمًا نهايةً… بل كثيرًا ما تكونُ بدايةَ سؤالٍ أكبر: ماذا بعد؟  
ولبنان، الذي دفع أثمانًا باهظةً من دماءِ أبنائه ومن استقرارِه واقتصاده، يقفُ اليوم أمام هذا السؤال المصيري:  
هل تبقى التضحياتُ ذاكرةً تُستعاد، أم تتحوّلُ إلى دولةٍ تُبنى؟

كفانا حروبًا تُخاض على أرضنا، ولا تُبنى نتائجها في دولتنا.  
وكفانا خنوعًا يُقدَّم على أنّه حكمة، فيما هو في الحقيقة تخلٍّ عن الحقّ وتفريطٌ بالسيادة.

لقد أثبتَ اللبنانيون، في أكثر من محطة، قدرتهم على الصمود، وعلى فرض معادلات ردعٍ في وجه الاعتداءات. وهذا بحدّ ذاته ليس أمرًا عابرًا في ميزان الصراعات. لكنّ المشكلة لم تكن يومًا في غياب القوة، بل في غياب ترجمتها إلى مشروعٍ وطنيٍّ جامع. وهنا يكمنُ جوهرُ الأزمة: حين تتحقّق الإنجازاتُ في الميدان، لكنها لا تتحوّلُ إلى استقرارٍ في الداخل.

إنّ التجربة اللبنانية تكشف بوضوح أنَّ الانتصارَ العسكري، مهما كان حجمه، يبقى ناقصًا إذا لم يُستكمل بانتصارٍ سياسيٍّ مؤسِّس لدولة. فالدولة ليست مجرّد حدودٍ أو مؤسساتٍ شكلية، بل هي قبل كل شيء قرارٌ واحد، وإرادةٌ واحدة، ومظلّةٌ واحدة تحتكمُ إليها كل القوى.

ليس قدرُ الأوطان أن تبقى معلّقةً بين نارَيْن:  
نارِ الحرب التي تُرهقها، ونارِ الخضوع التي تُفقدها كرامتها.  
فالقوة التي لا تحمي الداخل، تتحوّل عبئًا عليه، والتسوية التي لا تحفظ الكرامة، تتحوّل إلى شكلٍ آخر من أشكال الهزيمة.

من هنا، فإنّ المدخل الحقيقي لإنقاذ لبنان لا يمرّ عبر جولة صراعٍ جديدة، بل عبر خطوةٍ أكثر عمقًا: نقلُ عناصر القوة من حالة التعدّد إلى حالة الوحدة. أي أن تتحوّل كل القدرات الموجودة إلى جزءٍ من استراتيجيةٍ وطنيةٍ واضحة، تُحدّد من يملك قرار الحرب والسلم، وتضع هذا القرار في يد الدولة وحدها، دون إلغاءٍ لعناصر القوة، بل عبر تنظيمها ضمن إطارٍ شرعيٍّ جامع.

بالتوازي، لا يمكن لأي مشروع إنقاذ أن ينجح دون إعادة صياغة العقد الوطني. فلبنان اليوم يعيش على توازناتٍ لم تعد قادرةً على إنتاج الاستقرار. المطلوب ليس هدم النظام، بل تطويره باتجاه عدالةٍ أكبر وفعاليةٍ أعلى، تُخفّف من الطائفية السياسية تدريجيًا، وتعيد الاعتبار لمفهوم المواطنة. فالدولة التي تُبنى على الانقسام، ستبقى أسيرة هذا الانقسام.

أما على المستوى الخارجي، فقد أثبتت التجارب أن كلفة تحويل لبنان إلى ساحةٍ للصراعات الإقليمية هي كلفة وجودية. لذلك، يصبح من الضروري اعتماد سياسة تحييدٍ ذكي، لا تعني التخلي عن الحقوق، بل تعني حماية الداخل من أن يكون صندوق بريدٍ دائم للرسائل الدولية. فلبنان لا يستطيع أن يزدهر وهو يعيش على إيقاع حروب الآخرين.

ولا يقلّ الاقتصاد أهميةً عن الأمن، بل هو شرطه الأساسي. فالدولة التي لا تؤمّن لمواطنيها الحدّ الأدنى من الاستقرار المعيشي، تبقى هشّة مهما امتلكت من عناصر قوة. ومن هنا، فإنّ إعادة بناء الاقتصاد يجب أن تُعامل كأولويةٍ سيادية، تبدأ باستعادة الثقة، ولا تنتهي بإعادة توظيف موقع لبنان كجسرٍ اقتصادي وثقافي بين الشرق والغرب.

ويبقى الإنسان اللبناني هو الأساس. فلا معنى لأي مشروع وطني إذا لم يشعر المواطن بأنه شريكٌ فيه، لا مجرّد متلقٍ لنتائجه. وهذا يتطلّب قضاءً عادلًا، ومحاسبةً حقيقية، وخدماتٍ تحفظ الكرامة. فالدولة لا تُقاس فقط بقدرتها على الدفاع، بل بقدرتها على رعاية شعبها.

إنّ أخطر ما يمكن أن يواجهه لبنان اليوم، ليس حربًا جديدة، بل استمرار الدوران في الحلقة نفسها: صراع، فخسائر، فتهدئة، دون بناءٍ فعليٍّ للدولة. لذلك، فإنّ التحدّي الحقيقي ليس في تحقيق انتصارٍ جديد، بل في استثمار ما تحقق سابقًا لبناء مستقبلٍ مختلف.

لبنان لا يحتاج إلى المزيد من الدماء ليُثبت وجوده، ولا إلى المزيد من التنازلات ليحصل على الاستقرار.  
ما يحتاجه هو قرارٌ جامع، أن نكون دولةً… لا ساحة.
فالحربُ ليست قدرًا، والاستسلامُ ليس خيارًا، والطريق الثالث يبدأ عندما ندرك أنّ كرامة الوطن لا تُصان إلا بدولةٍ قويةٍ عادلة.

حينها فقط، لا تعود الحروب قدرًا يتكرّر، بل درسًا لا يُعاد.

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. ليون سيوفي

د. ليون سيوفي ، باحث وكاتب سياسي ومرشح سابق لرئاسة الجمهورية اللبنانية

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير